الملاحق السرية لاتفاق لبنان وإسرائيل.. انسحاب تجريبي من الجنوب وآلية أمريكية لردع حزب الله
بدأت ملامح المرحلة الأكثر حساسية في الظهور لتوقيع الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل ليس فقط عبر الاستعداد لانسحاب إسرائيلي محدود من منطقتين في جنوب لبنان، بل من خلال ما تتحدث عنه وسائل إعلام إسرائيلية باعتباره ملحقًا أمنيًا سريًا يرسم قواعد التحرك الميداني وآلية التعامل مع أي محاولة لإعادة تموضع حزب الله في مناطق الانسحاب.
وبحسب تقارير عبرية، يستعد الجيش الإسرائيلي لبدء الانسحاب، يوم الأحد، من منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان تقعان ضمن نطاق محافظة النبطية، وذلك في إطار اختبار أولي لمدى قدرة الجيش اللبناني على الانتشار السريع وفرض السيطرة الأمنية عقب خروج القوات الإسرائيلية.
انسحاب تجريبي تحت رقابة أمريكية
التقارير الإسرائيلية أشارت إلى أن مديرية العمليات في الجيش الإسرائيلي بدأت، خلال الساعات الأربع والعشرين التي أعقبت توقيع الاتفاق، إعداد أمر الانسحاب، على أن يتم التنفيذ بالتنسيق مع الجيش اللبناني وبرعاية أمريكية مباشرة.
وتقول الرواية الإسرائيلية إن الاتفاق فتح قناة اتصال مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، لتنسيق خطوات الانسحاب ووصول الجيش اللبناني إلى المناطق التي ستخليها القوات الإسرائيلية.
وتخشى المؤسسة الأمنية في إسرائيل، وفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية، من حدوث فراغ ميداني يسمح لعناصر حزب الله بالتحرك سريعًا نحو المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي، وهو ما يجعل سرعة انتشار الجيش اللبناني شرطًا حاسمًا في نجاح المرحلة الأولى من الاتفاق.
ومن المتوقع أن يتابع قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، الخطوات الأولى لتنفيذ الاتفاق من المنطقة الشمالية، في مؤشر على حجم الدور الأمريكي في ضبط الإيقاع بين الطرفين ومنع أي احتكاك ميداني قد يهدد الاتفاق في بدايته.

ماذا يتضمن الملحق السري؟
اللافت في التسريبات الإسرائيلية هو الحديث عن وجود ملحق أمني سري مرفق بالاتفاق الإطار، يحدد قواعد التعامل مع أي رصد لتعزيزات أو تحركات لحزب الله في جنوب لبنان.
ووفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤولين شاركوا في المفاوضات، فإن الملحق يمنح إسرائيل، من وجهة نظرها، حق التحرك ضد أي تهديد تعتبره مباشرًا، حتى بعد توقيع الاتفاق.
ونُقل عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع قوله إن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بحقه في مهاجمة من يصفهم بـ“العناصر الإرهابية” إذا شكلوا تهديدًا لقواته أو للمناطق الشمالية.
وهنا تكمن حساسية الاتفاق؛ فهو لا يقدم نفسه فقط كترتيب انسحاب، بل كآلية أمنية مركبة تتضمن انسحابًا جزئيًا مشروطًا، وانتشارًا لبنانيًا سريعًا، ورقابة أمريكية، مع احتفاظ إسرائيل بما تسميه “حرية العمل العسكري” عند الضرورة.
لا جدول زمني كامل للانسحاب
رغم الحديث عن انسحاب من منطقتين صغيرتين، فإن التقارير الإسرائيلية تؤكد أنه لا توجد جداول زمنية واضحة لاستكمال الانسحاب من بقية المواقع.
وتربط إسرائيل، بحسب هذه التقارير، أي خطوة لاحقة بمدى نجاح الجيش اللبناني في السيطرة على المناطق التي ستخليها القوات الإسرائيلية، ومنع حزب الله من إعادة التموضع أو إدخال تعزيزات عسكرية إليها.
وبذلك تتحول المرحلتان التجريبيتان إلى اختبار سياسي وأمني في وقت واحد: اختبار لقدرة لبنان على تنفيذ التزاماته، واختبار لمدى فاعلية الضمانة الأمريكية، واختبار لمدى استعداد حزب الله لعدم التصعيد.
آلية تنسيق عسكري بين الطرفين
ومن بين أبرز بنود المرحلة الجديدة، إنشاء آلية للتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل لتنفيذ الاتفاق ومتابعة الانسحاب. ولم تتضح بعد طبيعة هذه الآلية أو مستويات الاتصال فيها، لكن التقارير الإسرائيلية تعتبر أن فعاليتها ستحدد مستقبل الاتفاق بأكمله.
فإذا نجحت الآلية في منع الاحتكاك، وضمان وصول الجيش اللبناني إلى المناطق المخلاة سريعًا، فقد تفتح الباب أمام انسحابات إضافية. أما إذا حدث فراغ أمني أو تحرك ميداني لحزب الله، فقد تتجمد العملية أو تدخل في مسار تصعيد جديد.
هل يرد حزب الله؟
في المقابل، تتزايد التقديرات داخل إسرائيل بأن حزب الله قد لا يقبل الاتفاق بصيغته الحالية، خصوصًا إذا شعر أن بنوده الأمنية تمنح إسرائيل شرعية للبقاء في منطقة أمنية داخل لبنان إلى حين نزع سلاحه.
ونقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصدر أمني أن المؤسسة الأمنية تستعد لاحتمال قيام حزب الله بتنفيذ هجمات ضد الجيش الإسرائيلي خلال الأيام المقبلة، ردًا على الاتفاق الإطار.
وقال المصدر إن التقديرات تشير إلى أن حزب الله “لن يقف مكتوف الأيدي”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن إسرائيل لا ترى نفسها مقيدة في الرد العسكري.
وأضاف: “إذا هاجم، فسنزيل التهديدات ونرد. نحن مستعدون أيضًا لاحتمال التصعيد”.
الرد الإسرائيلي.. هل تعود الضاحية إلى دائرة الاستهداف؟
ورغم لهجة التهديد، تشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن أي هجوم محتمل من حزب الله لن يؤدي بالضرورة إلى رد تلقائي على الضاحية الجنوبية في بيروت، وهي المنطقة التي تعتبرها إسرائيل المعقل الأبرز للحزب.
ونقل موقع “واي نت” العبري عن مسؤول أمني قوله إن الرد سيتم تقييمه بناءً على طبيعة الهجوم وحجمه وموقعه، مضيفًا أن استهداف الضاحية يبقى احتمالًا واردًا لكنه ليس قرارًا تلقائيًا.
وتخشى إسرائيل، بحسب التحليلات العبرية، أن يؤدي ضرب أهداف في العاصمة اللبنانية إلى فتح الباب أمام تدخل إيراني مباشر أو غير مباشر، بما يدفع المنطقة نحو تصعيد أوسع.

نتنياهو: إنجاز تاريخي وضربة لإيران
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سارع إلى تقديم الاتفاق بوصفه “إنجازًا تاريخيًا لإسرائيل”، معتبرًا أنه يفتح الطريق أمام إنهاء الصراع الثنائي مع لبنان، وربما الوصول مستقبلًا إلى اتفاق سلام.
وزعم نتنياهو أن الاتفاق يمثل ضربة قوية لإيران وحزب الله، لأنه يعكس — وفق قوله — قبولًا أمريكيًا ولبنانيًا ببقاء إسرائيل في منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية طالما اقتضت الضرورة الأمنية ذلك.
وقال نتنياهو إن إسرائيل ستواصل السيطرة على المنطقة الأمنية إلى حين نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، وإزالة التهديد القادم من الأراضي اللبنانية.
كما أشار إلى أن الانسحاب من منطقتين صغيرتين يأتي ضمن مشروع تجريبي يهدف إلى اختبار نقل السيطرة إلى الجيش اللبناني ومنع عودة حزب الله إلى تلك المناطق.
كاتس: الاتفاق ضربة للمحور الإيراني
من جانبه، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الاتفاق بأنه “حدث تاريخي” و“إنجاز سياسي وأمني مهم”، معتبرًا أنه قد يخلق واقعًا أكثر أمنًا على الحدود الشمالية لأول مرة منذ عقود.
وقال كاتس إن الاتفاق يشكل ضربة استراتيجية للمحور الإيراني، مضيفًا أن إيران حاولت فرض انسحاب إسرائيل من لبنان عبر التهديد والضغط على الولايات المتحدة لكنها فشلت.
وأكد أن الإطار الموقع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان يلزم، وفق الرواية الإسرائيلية، بتجريد حزب الله من سلاحه في كل لبنان، ويؤكد أن مستقبل لبنان لن تحدده إيران أو حزب الله.
لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الاختبار الحقيقي سيكون في التنفيذ، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد لبقاء طويل في المنطقة الأمنية إذا لم تُنفذ الالتزامات المطلوبة.
بن غفير يهاجم الاتفاق
في الداخل الإسرائيلي، لم يمر الاتفاق دون انتقادات. فقد هاجم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير التفاهمات الجديدة، واصفًا إياها بأنها “خطأ فادح”.
وقال بن غفير إنه طالب رئيس الوزراء بعرض الاتفاق على المجلس الوزاري المصغر للتصويت، مؤكدًا أنه يعارض الاتفاق منذ أسابيع.
وأضاف أن بقاء إسرائيل في معظم المنطقة في الوقت الراهن لا يكفي، لأن الدولة اللبنانية — من وجهة نظره — لن تتمكن من نزع سلاح حزب الله، خاصة في ظل وجود وزراء محسوبين على الحزب داخل الحكومة اللبنانية.
اتفاق على الورق أم بداية مواجهة جديدة؟
وبينما تسعى إسرائيل إلى تقديم الاتفاق باعتباره مكسبًا أمنيًا وسياسيًا، تبدو الساحة اللبنانية أمام اختبار صعب. فنجاح الاتفاق يتوقف على ثلاثة عناصر أساسية: سرعة انتشار الجيش اللبناني، فاعلية الرقابة الأمريكية، ومدى التزام حزب الله بعدم التصعيد.
أما الملحق السري، الذي تتحدث عنه التسريبات الإسرائيلية، فيبدو أنه يمثل جوهر الاتفاق الحقيقي، لأنه لا يكتفي بتحديد خطوات الانسحاب، بل يرسم قواعد الردع والاشتباك في المرحلة المقبلة.
وبذلك لا يبدو الاتفاق مجرد تفاهم حدودي جديد، بل بداية مرحلة شديدة الحساسية في جنوب لبنان، قد تفتح الباب أمام تهدئة مشروطة، أو تقود إلى جولة تصعيد جديدة إذا فشلت آلية التنفيذ أو قرر حزب الله اختبار حدود الاتفاق.


