مفاوضات جنيف بين واشنطن وطهران.. اتفاق تاريخي أم عاصفة تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
تتجه الأنظار غدًا الخميس إلى جنيف، حيث تنطلق الجولة الثالثة والحاسمة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في لحظة توصف بأنها مفصلية لمستقبل المنطقة. فإما انفراجة دبلوماسية قد تُبعد شبح مواجهة واسعة، أو انهيار يقود إلى تصعيد غير مسبوق في الشرق الأوسط.
المشهد لا يُقرأ من طاولة المفاوضات وحدها، بل من التحركات العسكرية، والرسائل السياسية المتبادلة، والضغوط الداخلية في كلا البلدين.
أولًا: ما الذي سبق جنيف؟ رسائل بالقوة لا بالكلمات
التقارير التي تحدثت عن تحرك قطع بحرية أمريكية إلى عرض البحر تعكس مناخًا عالي الحساسية. في العادة، مثل هذه الإجراءات تُتخذ في أوقات التوتر لتقليل المخاطر في حال اندلاع مواجهة.
لكن في السياسة الدولية، لا تُفسر التحركات العسكرية دائمًا كإشارة لحرب وشيكة، بل كأداة ضغط تفاوضي. الرسالة هنا واضحة: واشنطن تريد أن تذهب إلى جنيف وهي في موقع قوة.

ثانيًا: خطاب طهران.. مفاوض صلب أم ردع مسبق؟
تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل سفره إلى جنيف حملت نبرة مزدوجة:
استعداد للتفاوض، لكن دون تنازلات تحت الضغط.
إيران تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي اتفاق يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل، لا التهديد. وفي الوقت ذاته، تؤكد أن برنامجها الصاروخي دفاعي الطابع، في محاولة لنزع الذرائع عن أي تصعيد.
هذا الخطاب يعكس استراتيجية تفاوضية تقوم على:
-
رفع سقف الخطاب قبل الجلسة
-
إظهار القدرة على الردع
-
ترك باب الحل مفتوحًا
ثالثًا: المأزق الأمريكي.. بين صورة القوة وكلفة الحرب
البيت الأبيض يكرر أن الخيار الدبلوماسي هو المفضل، لكن مع التأكيد على الجاهزية العسكرية.
وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية:
-
الانسحاب من المفاوضات دون اتفاق قد يُفسر ضعفًا.
-
التصعيد العسكري قد يفتح باب حرب استنزاف طويلة في منطقة شديدة التعقيد.
الجنرالات الأمريكيون يدركون أن أي مواجهة مع إيران لن تكون عملية قصيرة، بل صراعًا متعدد الجبهات، قد يشمل مضيق هرمز وأسواق الطاقة وحلفاء إقليميين.
رابعًا: إسرائيل والبعد الإقليمي
الاتهامات الإيرانية لإسرائيل بمحاولة دفع واشنطن نحو المواجهة تعكس تعقيد المشهد.
فإسرائيل ترى في أي تقدم نووي إيراني تهديدًا مباشرًا، بينما تسعى طهران إلى تحميل تل أبيب مسؤولية التصعيد.
الواقع أن المنطقة كلها تقف على توازن دقيق:
أي خطأ في الحسابات قد يشعل سلسلة ردود فعل تتجاوز حدود النزاع المباشر.
خامسًا: الداخل الإيراني.. ضغط الشارع ومعادلة الاستقرار

التقارير عن توترات داخلية ومظاهرات في إيران تضيف بعدًا آخر للمعادلة.
النظام الإيراني يفاوض تحت ضغط اقتصادي وشعبي، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن التصعيد الخارجي قد يعزز خطاب التماسك الداخلي.
هذا التداخل بين الداخل والخارج يجعل قرار الحرب أو السلام أكثر تعقيدًا.
هل تنجح مفاوضات جنيف؟
النجاح يتوقف على ثلاثة عناصر أساسية:
-
صيغة تحفظ ماء الوجه للطرفين.
-
ضمانات متبادلة بشأن الأنشطة النووية والرفع التدريجي للعقوبات.
-
تفاهم إقليمي يحد من مخاوف الحلفاء.
إذا توفرت هذه العناصر، قد نشهد اتفاقًا مرحليًا يخفف التوتر ويمنح الأسواق متنفسًا.
أما إذا فشلت الجولة، فستدخل المنطقة مرحلة جديدة من الضغوط المتبادلة قد تتضمن عقوبات أشد أو تصعيدًا محدودًا محسوبًا.
الخلاصة التحليلية
مفاوضات جنيف ليست مجرد لقاء دبلوماسي، بل اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة صراع معقد دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
المنطقة لا تحتمل حربًا شاملة، والاقتصاد العالمي لن يتحمل صدمة جديدة في أسواق الطاقة.
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ينتصر منطق التفاوض على لغة القوة؟
أم أن جنيف ستكون محطة أخيرة قبل مرحلة أكثر توترًا؟
الساعات المقبلة ستحدد إن كانت المنطقة تتجه نحو اتفاق يخفف الاحتقان، أم نحو فصل جديد من الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وطهران.


