أصبحت علاقات دول مجلس التعاون الخليجي محل بحث ودراسة المتخصصبن خلال الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائلية وهو ماتناولتة مجلة نيوزويك الأمريكية مؤكده ان الحرب فتحت بابًا واسعًا أمام سؤال بالغ الخطورة: هل تدفع الحرب في إيران السعودية إلى مواجهة سياسية غير مباشرة مع محور إقليمي متنامٍ يجمع بين إسرائيل والإمارات؟ التقرير يسلط الضوء على شبكة العلاقات المعقدة داخل الخليج، حيث تتقاطع التحالفات الأمنية والاقتصادية مع حسابات النفوذ، في وقت تبدو فيه المنطقة وكأنها تعيد رسم خرائط القوة بسرعة غير مسبوقة.
الحرب في إيران تعيد ترتيب الخليج
بحسب ما طرحه التقرير، فإن الحرب في إيران لا تضغط على طهران وحدها، بل تضع دول الخليج أمام اختبارات صعبة تتعلق بالموقف السياسي، والتحالفات الأمنية، وحدود التعاون مع إسرائيل.
وفي قلب هذه المعادلة، تظهر السعودية باعتبارها القوة العربية المركزية في الخليج، بينما يبرز التقارب الإماراتي الإسرائيلي كعامل جديد يثير أسئلة حول مستقبل التوازن داخل مجلس التعاون الخليجي.
فالمشهد لم يعد محصورًا في مواجهة بين إيران والغرب، بل بات يتصل بصراع أعمق على قيادة الإقليم، وتحديد من يملك القدرة على صياغة ترتيبات ما بعد الحرب.
محور إسرائيل والإمارات.. نفوذ يتصاعد وأسئلة تتكاثر
يشير التقرير إلى أن العلاقات المتنامية بين الإمارات وإسرائيل باتت جزءًا من شبكة إقليمية أوسع، تتجاوز حدود التعاون الثنائي التقليدي.
هذا التقارب، في ظل الحرب والتوتر، يثير مخاوف من أن يتحول إلى محور سياسي وأمني له حساباته الخاصة داخل المنطقة، بما قد يضعه في مسار مختلف عن الرؤية السعودية لبعض الملفات.
وهنا تكمن حساسية المشهد؛ فالإمارات تتحرك ضمن سياسة تنويع علاقاتها الخارجية، بينما تنظر السعودية إلى نفسها باعتبارها مركز الثقل الخليجي والعربي، وصاحبة الكلمة الأوسع في ترتيبات الأمن الإقليمي.
السعودية.. القوة العربية المركزية في الخليج
ينقل التقرير عن نواف عبيد، المستشار السابق للديوان الملكي السعودي، تأكيده أن السعودية لا تزال القوة العربية المركزية في الخليج.
وبحسب هذا الطرح، فإن أي تحالفات موازية، بما فيها العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، لا تغيّر جوهريًا موازين القوى الإقليمية.
هذه الرسالة تبدو واضحة: الرياض لا ترى أن ظهور علاقات جديدة بين أبوظبي وتل أبيب قادر على نقل مركز الثقل الخليجي بعيدًا عنها، لكنها في الوقت نفسه تراقب بدقة كيف يمكن لهذه العلاقات أن تؤثر في الملفات الأمنية والسياسية الحساسة.

الإمارات ترد بمنطق تنويع الشراكات
في المقابل، ينقل التقرير عن محمد بحرون، المدير العام لمركز دبي لأبحاث السياسات العامة، رؤية مختلفة لطبيعة العلاقة بين الإمارات وإسرائيل.
فبحرون يعتبر أن إسرائيل واحدة من دول عديدة تدخل ضمن استراتيجية الإمارات لتنويع علاقاتها الخارجية، وليست بالضرورة الشريك الأمني أو الصناعي الأهم.
بل يذهب أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن إسرائيل قد تكون أقل أهمية من دول مثل تركيا أو كوريا الجنوبية في بعض مجالات الشراكة الأمنية والصناعية.
وهذا الطرح يحاول تخفيف صورة “المحور” الصلب بين الإمارات وإسرائيل، وتقديم العلاقة باعتبارها جزءًا من شبكة مصالح واسعة لا تستهدف السعودية ولا تعيد ترتيب الخليج ضدها.
مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار صعب
التقرير يطرح نقطة شديدة الحساسية: هل يمكن لهذه التحولات أن تهدد تماسك مجلس التعاون الخليجي؟
فالمجلس قام تاريخيًا على فكرة التنسيق بين دول الخليج في مواجهة التهديدات المشتركة، لكن دخول إسرائيل على خط العلاقات الإقليمية، وتنامي التنافس بين العواصم الخليجية في ملفات الاستثمار والأمن والتكنولوجيا، قد يخلق تباينات أعمق داخل البيت الخليجي.
ليست المشكلة في وجود علاقات خارجية مختلفة لكل دولة، بل في احتمال أن تتحول هذه العلاقات إلى محاور متنافسة، تؤثر على القرار الخليجي الجماعي وقت الأزمات.
إسرائيل في قلب معادلة الخليج الجديدة
ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا أن إسرائيل لم تعد مجرد طرف خارجي يتابع توازنات الخليج من بعيد، بل أصبحت حاضرة داخل شبكة المصالح والتحالفات، خصوصًا مع الإمارات.
وفي ظل الحرب في إيران، قد تزداد أهمية هذه العلاقة بالنسبة لتل أبيب، التي تبحث عن شركاء إقليميين يوسعون هامش حركتها السياسية والأمنية.
لكن السؤال الأخطر هو: هل يؤدي هذا الحضور الإسرائيلي إلى زيادة الانقسام داخل الخليج، أم يبقى محصورًا في إطار العلاقات الثنائية التي لا تمس جوهر التوازن الخليجي؟
السعودية والإمارات.. تنافس تحت سقف واحد
العلاقة بين السعودية والإمارات ليست علاقة خصومة مباشرة، لكنها ليست خالية من التنافس.
فالبلدان يملكان طموحات اقتصادية وسياسية كبرى، ويتحركان في ملفات الطاقة والاستثمار والموانئ والتكنولوجيا والأمن الإقليمي، وأحيانًا تتقاطع المصالح، وأحيانًا تتباعد.
ومع دخول إسرائيل كطرف متنامٍ في علاقة الإمارات الخارجية، تصبح الحسابات أكثر حساسية، خاصة إذا شعرت الرياض أن بعض التحركات قد تؤثر في موقعها القيادي داخل الخليج والمنطقة العربية.
التحولات الجيوسياسية تتسارع
الحرب في إيران، والتقارب الإماراتي الإسرائيلي، وتراجع الثقة في بعض المظلات التقليدية، وصعود الشراكات مع تركيا وكوريا الجنوبية والصين وروسيا، كلها عوامل تسرع من وتيرة التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
الخليج لم يعد يتحرك وفق خريطة قديمة قائمة فقط على النفط والحماية الأمريكية، بل بات يبحث عن تعدد في الشراكات، وتوازن في العلاقات، وقدرة أكبر على المناورة.
لكن هذا التعدد، إذا لم يُدار بحذر، قد يتحول من مصدر قوة إلى عامل تفكك داخل المنظومة الخليجية.
الخليج أمام لحظة إعادة تعريف القوة
ما كشفه تقرير نيوزويك لا يتعلق فقط بعلاقة الإمارات مع إسرائيل، ولا بموقف السعودية من تلك العلاقة، بل بلحظة أوسع يعاد فيها تعريف القوة داخل الخليج.
السعودية تؤكد أنها مركز الثقل العربي والخليجي، والإمارات تقدم نفسها كدولة تنوع شراكاتها وتوسع نفوذها، وإسرائيل تحاول دخول شبكة المصالح الإقليمية من أوسع أبوابها، بينما تقف الحرب في إيران كعامل ضغط يعجل بكل هذه التحولات.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح الخليج في تحويل تنوع الشراكات إلى قوة جماعية؟ أم تتحول المحاور الجديدة إلى شرخ صامت داخل مجلس التعاون الخليجي؟


