الخميس، ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٠ م

محادثات جنيف تنهار في 15 دقيقة.. إيران تلوّح بإغلاق هرمز وترامب يواجه تمردًا داخل حزبه

 

 

طهران ترفع السقف: اتفاق “عادل” أو مواجهة مفتوحة.. قراءة استراتيجية في تحذيرات عراقجي واحتمالات الانفجار الإقليمي


لحظة مفصلية في مسار التوتر الأمريكي الإيراني

في تصعيد لفظي يعكس حجم التوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن، أطلق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سلسلة تصريحات حملت نبرة تحذيرية واضحة، مؤكدًا أن بلاده “مستعدة للحرب كما هي مستعدة للسلام”، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة لن تكون محدودة أو قابلة للاحتواء.

التصريحات التي أدلى بها لصحيفة India Today لم تكن مجرد رد فعل سياسي عابر، بل بدت كرسالة استراتيجية موجهة إلى أكثر من طرف: الإدارة الأمريكية، الحلفاء الإقليميون، والأسواق العالمية التي تراقب المشهد بقلق بالغ.

عراقجي حذر صراحة من أن “شرارة واحدة قد تشعل حربًا مدمرة”، في إشارة إلى أن أي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب قد يدفع المنطقة بأكملها إلى دوامة نار تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة.


رفع سقف الخطاب.. تكتيك تفاوضي أم تمهيد لمرحلة جديدة؟

القراءة الأولى لتصريحات عراقجي توحي بأنها جزء من استراتيجية رفع السقف التفاوضي. في علم التفاوض السياسي، غالبًا ما تلجأ الأطراف إلى تشديد الخطاب قبل الجولات الحاسمة، بهدف تحسين شروط التفاوض وتعزيز أوراق الضغط.

إيران، التي تواجه ضغوطًا اقتصادية وعقوبات ممتدة، تدرك أن أي اتفاق محتمل مع واشنطن يجب أن يمنحها مكاسب واضحة، سواء على مستوى تخفيف العقوبات أو ضمانات أمنية طويلة الأمد. ومن هنا جاء تأكيد الوزير على أن طهران لن تقبل إلا باتفاق “منصف ومتوازن وعادل”.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن التصعيد اللفظي يأتي في سياق إقليمي شديد الحساسية، مع انتشار عسكري أمريكي مكثف في محيط إيران، وتوترات مستمرة في عدة ساحات، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان.


“لن نستسلم”.. رسالة إلى الداخل والخارج

من أبرز ما ورد في تصريحات عراقجي قوله إن الانتشار العسكري الأمريكي لن يجبر إيران على التراجع أو الاستسلام. هذه العبارة تحمل بعدين أساسيين:

  1. رسالة خارجية لواشنطن مفادها أن سياسة الضغط الأقصى لن تحقق أهدافها.

  2. رسالة داخلية للشعب الإيراني بأن القيادة متمسكة بموقفها ولن تخضع للتهديد.

في السياقات التي تتداخل فيها السياسة الخارجية مع التحديات الداخلية، يصبح الخطاب السياسي أداة لتثبيت الجبهة الداخلية بقدر ما هو وسيلة ضغط خارجية. إيران تدرك أن أي تراجع تحت الضغط قد يُفسر ضعفًا استراتيجيًا، وهو ما تسعى لتجنبه.


سيناريو الحرب.. لماذا لن تكون محدودة؟

عراقجي أشار بوضوح إلى أن أي مواجهة لن تبقى محصورة بين بلدين. هذه النقطة تمثل جوهر التحليل الاستراتيجي للمشهد.

في حال اندلاع مواجهة مباشرة، فإن عدة عوامل قد تجعلها إقليمية الطابع:

  • وجود قواعد ومصالح أمريكية في دول متعددة بالمنطقة.

  • تشابك التحالفات الإقليمية.

  • حساسية مضيق هرمز وتأثيره على إمدادات الطاقة العالمية.

  • احتمال انخراط أطراف أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

حرب من هذا النوع لن تكون تقليدية فقط، بل قد تتخذ أشكالًا متعددة: صراع بحري، هجمات سيبرانية، مواجهات غير مباشرة عبر ساحات إقليمية، وضربات دقيقة متبادلة.


حسابات واشنطن.. بين الردع والتكلفة

من الجانب الأمريكي، يبدو أن السياسة الحالية تقوم على مزيج من الردع والضغط، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا. واشنطن تسعى إلى منع أي تقدم تعتبره تهديدًا لأمنها أو لأمن حلفائها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الانزلاق إلى حرب واسعة قد يحمل كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية ضخمة.

أي مواجهة شاملة ستؤثر على:

  • أسعار النفط والغاز عالميًا.

  • استقرار الأسواق المالية.

  • أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في مناطق أخرى.

لذلك، فإن احتمالات الحرب لا تُقاس فقط بالرغبة السياسية، بل بحسابات الكلفة والعائد.


الاتفاق “العادل”.. ما الذي تريده طهران؟

عندما تتحدث إيران عن اتفاق “عادل”، فهي تشير ضمنيًا إلى عدة مطالب أساسية:

  • رفع ملموس وفعلي للعقوبات الاقتصادية.

  • ضمانات بعدم الانسحاب الأحادي من أي اتفاق مستقبلي.

  • اعتراف بدورها الإقليمي ومصالحها الأمنية.

هذه الشروط تعكس تجربة سابقة جعلت طهران أكثر حذرًا في التعامل مع أي التزامات جديدة دون ضمانات قوية.


الأسواق والاقتصاد.. البعد الصامت للأزمة

وراء التصريحات السياسية، هناك بعد اقتصادي بالغ الأهمية. أي تصعيد عسكري في الخليج قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ويؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، ويزيد من معدلات التضخم في اقتصادات عديدة.

لهذا السبب، تراقب الأسواق العالمية مسار التوتر عن كثب، حيث أصبحت كل إشارة تصعيد أو تهدئة تؤثر مباشرة في حركة الأسعار والتوقعات الاقتصادية.


هل نحن أمام لحظة اشتعال تاريخية؟

السؤال الذي يفرض نفسه:
هل تقترب المنطقة فعلًا من مواجهة واسعة، أم أن ما نشهده هو أقصى درجات الضغط قبل الوصول إلى تسوية؟

التاريخ الحديث للعلاقات الأمريكية الإيرانية يظهر نمطًا متكررًا من التصعيد الحاد يتبعه احتواء مدروس. لكن هذا النمط لا يضمن أن كل أزمة ستنتهي بالطريقة نفسها.

العامل الحاسم غالبًا ما يكون:

  • وجود قنوات اتصال غير معلنة.

  • رغبة مشتركة في تجنب الكلفة الشاملة.

  • قدرة الأطراف على ضبط إيقاع التصعيد.


معركة مدمرة وغير محدودة

تصريحات عراقجي تمثل رفعًا محسوبًا لسقف الخطاب، لكنها في الوقت ذاته تعكس إدراكًا عميقًا بأن أي مواجهة مباشرة لن تكون معركة محدودة، بل صراعًا قد يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط.

المنطقة تقف على حافة معادلة دقيقة:
إما اتفاق يعيد ترتيب التوازنات بشروط جديدة،
أو تصعيد قد يتجاوز السيطرة ويدخل الجميع في مرحلة اضطراب ممتد.

حتى الآن، تبدو لغة التهديد والردع هي الأعلى صوتًا، لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن أعلى درجات التصعيد اللفظي قد تسبق في كثير من الأحيان لحظات التسوية.

ويبقى المستقبل رهينًا بقدرة الطرفين على تحويل التوتر إلى تفاوض، قبل أن تتحول الشرارة إلى نار يصعب إخمادها.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.