مع بدء التداول الرسمي بالعملة السورية الجديدة مطلع يناير/كانون الثاني 2026، لم تنتظر الليرة طويلًا قبل أن تصبح محور نقاش وجدال واسع على منصات التواصل الاجتماعي. فبين مقاطع فيديو ساخرة، وتجارب عفوية لاختبار المتانة، وتعليقات غاضبة أو مدافعة، وجد السوريون أنفسهم أمام أول اختبار شعبي لعملة يفترض أنها ترمز إلى مرحلة سياسية واقتصادية مختلفة بعد سنوات طويلة من الأزمات.
اللافت أن الجدل لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل امتد إلى البعد الرمزي والنفسي للعملة الجديدة، باعتبارها أول إصدار نقدي سوري يخلو من صور السلطة السياسية، ويُقدَّم بوصفه إعلانًا عن بداية حقبة جديدة في تاريخ البلاد.
فيديوهات «الاختبار» تشعل السوشيال ميديا
بدأ الجدل مع انتشار فيديو لأحد السوريين وهو يقوم بـثني العملة الجديدة والضغط عليها، واصفًا إياها بأنها «مجعلكة»، قبل أن يرد شخص آخر في المقطع ذاته قائلًا إن «العملة تعبانة».
وسرعان ما تحوّل الفيديو إلى مادة للنقاش والسخرية، حيث اعتبره البعض دليلًا على ضعف جودة الإصدار الجديد، بينما رأى آخرون أن ما جرى سوء استخدام متعمد لا يعكس حقيقة العملة.

انتقادات مضادة: «عملة ورقية وليست حديدًا»
في المقابل، خرجت موجة ردود غاضبة من نشطاء اعتبروا أن الاختبار نفسه غير منطقي. وكتب أحدهم:
«انتقادات ساذجة وسطحية للعملة الجديدة. هذا سوء استخدام، فهي عملة ورقية وليست حديدًا. ولو كانت التي بين يديك 100 دولار أمريكي، هل ستعاملها هكذا؟ قليل من الوعي والمسؤولية هو المطلوب».
هذا الرأي لقي دعمًا واسعًا، خاصة من مستخدمين قارنوا بين الليرة السورية الجديدة والعملات الورقية العالمية، مؤكدين أن المرونة ليست عيبًا بل خاصية أساسية في الأوراق النقدية.
اختبار الماء يقلب المعادلة
ردًا على موجة الانتقادات، انتشر فيديو آخر لاختبار مقاومة العملة الجديدة للمياه.
ويظهر في المقطع شخص يقوم بتبليل العملة القديمة بالماء، ثم يكرر الأمر مع العملة الجديدة، ليبيّن أن الأخيرة أكثر مقاومة للمياه ولا تتلف بسهولة.
وعلّق أحد المتابعين ساخرًا:
«شعب بحب يجرب كل شي بإيدو #العملة_السورية_الجديدة… متانة وضيان وعلى التجريب هههه».
الفيديو ساهم في تهدئة حدة الانتقادات، وفتح الباب أمام نقاش أكثر عقلانية حول خصائص العملة بدل الاستخفاف بها.
جدل التمزيق… والرد الحاسم
أثيرت أيضًا مزاعم عن سهولة تمزيق العملة الجديدة، ليرد أحد المستخدمين بلهجة حادة:
«للتذكير مربعي الرؤوس… العملة السورية الجديدة عملة ورقية كغيرها من العملات الأجنبية، وليست معدنية!!!».
هذا التعليق حظي بتفاعل واسع، خاصة مع تداول صور ومقاطع تظهر تعرض عملات عالمية معروفة للتمزق عند سوء الاستخدام.
خلفية إصدار العملة السورية الجديدة
بدأ التداول بالعملة السورية الجديدة في 1 يناير/كانون الثاني 2026، بعد قرار رسمي بطباعة إصدار نقدي جديد، عقب نحو عام من سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وبهذا القرار، أُسدل الستار على حقبة نقدية امتدت منذ عام 1971 مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم، واستمرت خلال حكم نجله بشار الأسد من عام 2000 وحتى سقوطه.
قطيعة رمزية مع الماضي
الليرة السورية القديمة كانت تحمل صور حافظ وبشار الأسد، فيما جاءت العملة الجديدة:
-
خالية من صور الأشخاص
-
بلا رموز سلطوية
-
معبّرة عن الطبيعة والهوية السورية الجامعة
في محاولة واضحة لفصل النقد عن السياسة، وإعادة تعريف العملة كرمز وطني لا أيديولوجي.
فئات الليرة السورية الجديدة ومعانيها
تضمنت العملة السورية الجديدة ست فئات نقدية، لكل منها رمزية خاصة:
فئة 10 ليرات سورية
-
وردة شامية
-
فراشة
-
دلالة على الجمال والتجدد
فئة 25 ليرة
-
شجر التوت الشامي
-
طائر السنونو
-
رمز للحياة والعودة
فئة 50 ليرة
-
ترمز إلى الحمضيات
-
إشارة إلى الزراعة والخصب
فئة 100 ليرة
-
وردة القطن
-
غزال الريم
-
رموز للنقاء والبيئة السورية
فئة 200 ليرة
-
بركة شجر الزيتون
-
الحصان العربي
-
دلالة الأصالة والاستمرارية
فئة 500 ليرة
-
عصفور الدوري
-
سنابل القمح
-
رمز للرزق والبساطة والحياة اليومية
قراءة تحليلية: لماذا كل هذا الجدل؟
يرى مختصون أن الجدل الدائر لا يتعلق فقط بجودة الورق أو مقاومة الماء، بل يعكس:
-
حساسية المرحلة الانتقالية
-
توترًا نفسيًا متراكمًا لدى الشارع السوري
-
رغبة شعبية في اختبار كل ما يرمز إلى «الجديد»
فالعملة هنا ليست مجرد أداة اقتصادية، بل وثيقة رمزية لمرحلة سياسية واجتماعية مختلفة.
رحلة البحث عن الثقة
بين مقاطع السخرية وتجارب الماء والردود الغاضبة، أثبتت العملة السورية الجديدة أنها أكثر من مجرد أوراق نقدية. إنها مرآة لمرحلة انتقالية مليئة بالتساؤلات، والاختبارات الشعبية، والبحث عن الثقة.
ومع استمرار التداول، يبدو أن الحكم الحقيقي على جودة العملة لن يكون بفيديوهات عابرة، بل بقدرتها على الصمود في التداول اليومي، واستعادة ثقة السوريين في مستقبلهم الاقتصادي.


