الجمعة، ٦ مارس ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٧ م

لماذا يرسل زيلينسكي خبراء أوكرانيين إلى الشرق الأوسط؟ تحرك جديد بين التمويل العسكري ومواجهة المسيّرات الإيرانية

لماذا يرسل زيلينسكي خبراء أوكرانيين إلى الشرق الأوسط؟ قراءة تحليلية في أهداف كييف بين التمويل والنفوذ والضغط على موسكو

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، ومع انتقال بؤر التوتر من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، يبدو أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يحاول إعادة تموضع بلاده داخل مشهد دولي متغير بسرعة. فقرار إرسال خبراء أوكرانيين متخصصين في مكافحة الطائرات المسيّرة إلى الشرق الأوسط لا يمكن قراءته باعتباره خطوة عسكرية تقنية فقط، بل هو تحرك متعدد الأبعاد يحمل في جوهره رسائل مالية وسياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد الدعم الأمني المباشر.

التحرك الأوكراني يأتي في وقت تواجه فيه كييف ضغوطا هائلة على جبهتها الداخلية، بينما تعيش أوروبا حالة إنهاك سياسي ومالي بسبب استمرار الحرب، في الوقت الذي بدأت فيه أولويات الولايات المتحدة وحلفائها تميل بصورة أكبر نحو احتواء التصعيد المرتبط بإيران وأمن الخليج. وفي هذا السياق، تسعى أوكرانيا إلى تحويل خبرتها الميدانية الطويلة في مواجهة الطائرات المسيّرة الروسية والإيرانية الصنع إلى ورقة نفوذ جديدة يمكن توظيفها من أجل كسب تمويل إضافي، أو الحصول على دعم عسكري، أو حتى فتح قنوات تأثير دبلوماسي جديدة مع عواصم الخليج. وتشير تقارير رويترز إلى أن واشنطن وقطر تناقشان بالفعل مع أوكرانيا إمكانية الحصول على مسيّرات اعتراضية أوكرانية منخفضة التكلفة لمواجهة طائرات "شاهد"، كما أجرى زيلينسكي اتصالات مع قادة الإمارات وقطر حول التعاون في التصدي للهجمات الإيرانية.

ما الذي ورد في التقارير حول هذه الخطوة؟

بحسب ما نقلته وكالة رويترز يوم 5 مارس 2026، فإن خبراء أوكرانيين في مجال مكافحة المسيّرات سيبدؤون العمل في قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة، استنادا إلى مصادر مطلعة. كما أكد زيلينسكي أن واشنطن طلبت مساعدة أوكرانيا، وأن هناك اهتماما مماثلا من دول أخرى في المنطقة، مع تأكيده أن أي تعاون خارجي يجب ألا يضعف قدرة بلاده الدفاعية أمام روسيا.

أما القراءة التي قدمها موقع "إنفو بريكس"، فذهبت إلى أن زيلينسكي لا يتحرك فقط بدافع الدعم الأمني، بل لأنه يبحث عن مصادر جديدة للتمويل العسكري والمالي في ظل أزمة أوروبية متفاقمة وتركيز الناتو المتزايد على التوتر مع إيران. وهذه القراءة تبقى تفسيرا تحليليا للموقع وليست موقفا مؤكدا رسميا من كييف.

أولا: البحث عن ممولين جدد للحرب

السبب الأوضح وراء هذه الخطوة يتمثل في البعد المالي. أوكرانيا تخوض حربا طويلة ومكلفة، وتحتاج بشكل دائم إلى تدفقات مستمرة من الأموال والسلاح والتكنولوجيا. ومع تراجع الحماسة الأوروبية نسبيا نتيجة الضغوط الاقتصادية والسياسية، يصبح منطقيا أن تتجه كييف إلى دول الخليج، التي تملك قدرات تمويلية كبيرة، وتواجه في الوقت نفسه تهديدا مباشرا من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

هنا تحاول أوكرانيا تقديم نفسها ليس فقط كدولة متلقية للدعم، بل أيضا كشريك أمني قادر على تصدير خبرته. هذا التحول مهم جدا في خطاب كييف؛ لأنه ينقلها من صورة "الضحية التي تطلب المساعدة" إلى صورة "الطرف الذي يملك معرفة قتالية مطلوبة". وتقرير رويترز عن المحادثات الأمريكية-القطرية مع أوكرانيا بشأن الحصول على مسيّرات اعتراضية أوكرانية يدعم هذا الفهم، إذ يوضح أن كييف باتت تعرض خبرتها ومنتجاتها العسكرية كجزء من معادلة تبادل مصالح، لا مجرد طلب مفتوح للدعم.

                                     طائرات مسيرة

ثانيا: تحويل الخبرة الأوكرانية إلى أصل استراتيجي قابل للتصدير

على مدار الحرب مع روسيا، راكمت أوكرانيا خبرة واسعة في مواجهة هجمات المسيّرات، خصوصا الطائرات الإيرانية من طراز "شاهد" التي استخدمتها موسكو بكثافة. ووفقا لرويترز، تقول كييف إنها واجهت خلال هذا الشتاء وحده نحو 19 ألف هجوم بطائرات مسيّرة روسية، ما سمح لها بتطوير أساليب منخفضة التكلفة وأكثر مرونة للاعتراض والتشويش والرصد.

هذا يعني أن زيلينسكي يحاول تسويق "النموذج الأوكراني" في الدفاع الجوي القصير المدى بوصفه نموذجا عمليا يناسب احتياجات الشرق الأوسط، خصوصا مع ارتفاع كلفة استخدام صواريخ باتريوت الباهظة لاعتراض أهداف أرخص بكثير. ومن هنا فإن إرسال الخبراء الأوكرانيين لا يتعلق فقط بالتدريب أو الحماية، بل أيضا بتسويق التكنولوجيا والقدرات الأوكرانية في سوق أمني جديد ومهم.

ثالثا: كسب أوراق تفاوضية في ملف الحرب مع روسيا

الخطوة تحمل أيضا بعدا دبلوماسيا واضحا. زيلينسكي لمح إلى أن دول الشرق الأوسط، بحكم علاقاتها الاقتصادية القوية مع موسكو، قد تكون قادرة على لعب دور ما في الدفع نحو وقف إطلاق النار أو التأثير على الحسابات الروسية. وفي اتصالاته مع قادة المنطقة، ربط بين مساهمة أوكرانيا في حماية الأجواء من الهجمات الإيرانية وبين أمل كييف في دور سياسي أو دبلوماسي أوسع لتلك الدول. كما أشار في تصريحات نقلتها رويترز إلى أن تأجيل بعض محادثات السلام جاء بسبب التصعيد في الشرق الأوسط، وأن بلاده ما زالت تبحث عن مسار تفاوضي بديل.

وبمعنى أكثر عمقا، تريد أوكرانيا أن تقول للخليج: إذا كنتم تريدون حماية إضافية ضد التهديدات الإيرانية، فإن كييف تملك خبرة مفيدة، لكن هذه الشراكة قد تفتح أيضا بابا لوساطة أو ضغط سياسي على موسكو. صحيح أن فرص نجاح هذا التصور ليست مضمونة، لكن مجرد طرحه يكشف أن أوكرانيا تحاول توسيع مسرح حركتها السياسية خارج حدود أوروبا التقليدية.

رابعا: الاستجابة لطلب أمريكي مع الحفاظ على التحالف

من المهم كذلك عدم إغفال العامل الأمريكي. زيلينسكي قال إن إرسال الخبراء يأتي بناء على طلب من الولايات المتحدة، وهذا يكشف أن الخطوة ليست مبادرة أوكرانية منفردة بالكامل، بل جزء من تنسيق أوسع مع واشنطن. بالنسبة لكييف، تلبية طلب أمريكي في لحظة إقليمية حساسة تحمل قيمة استراتيجية كبيرة، لأنها تعزز صورة أوكرانيا كشريك أمني موثوق، لا مجرد متلق للمساعدات.

هذا البعد شديد الأهمية، لأن أوكرانيا تدرك أن الحفاظ على الالتزام الأمريكي هو شرط رئيسي لاستمرار قدرتها على الصمود أمام روسيا. ومن ثم، فإن إرسال خبراء إلى الشرق الأوسط قد يكون أيضا رسالة ولاء سياسي وعسكري إلى واشنطن: نحن لا نطلب فقط، بل نشارك أيضا حين تطلب منا الولايات المتحدة المساعدة.

لكن هل يملك الخبراء الأوكرانيون فعلا قيمة ميدانية حاسمة؟

هنا يظهر الجانب الجدلي في المسألة. موقع "إنفو بريكس" شكك في فعالية الخبراء الأوكرانيين، معتبرا أن الحديث عن تصدير الخبرة يبدو مبالغا فيه طالما أن روسيا ما زالت تفرض ضغطا جويا كبيرا على أوكرانيا. غير أن هذا الطرح يحتاج إلى قدر من التوازن في التقييم؛ لأن استمرار تعرض أوكرانيا لهجمات لا يعني بالضرورة غياب الخبرة، بل قد يعني العكس تماما: أي أن هذه الخبرة تكونت في ظروف قتال حقيقية وقاسية ومستمرة. لكن تحويل هذه الخبرة إلى نتائج عملية في بيئة مختلفة مثل الشرق الأوسط سيظل رهنا بطبيعة التهديدات، وسرعة التدريب، ونوعية الأنظمة التي ستستخدم هناك، ومدى ملاءمة التكتيكات الأوكرانية لمسرح عمليات مختلف.

بعبارة أخرى، هناك فرق بين امتلاك خبرة في الحرب، وبين القدرة على نقلها بنجاح إلى منطقة أخرى. وهذا تحديدا ما يجعل هذه الخطوة مهمة، لكنها ليست مضمونة النتائج.

ماذا تريد كييف أن تحققه فعليا من الشرق الأوسط؟

عند تفكيك المشهد، يمكن القول إن أوكرانيا تستهدف أربعة مكاسب رئيسية دفعة واحدة:

أولا، الحصول على تمويل أو صفقات دفاعية جديدة تخفف العبء عن الخزينة الأوكرانية.
ثانيا، تحويل التفوق النسبي في ملف المسيّرات إلى سلعة استراتيجية قابلة للتصدير.
ثالثا، تعزيز العلاقة مع واشنطن عبر الاستجابة لاحتياجاتها في المنطقة.
رابعا، توسيع هامش الحركة الدبلوماسية عبر إدخال قوى خليجية أكثر عمقا في ملف الحرب مع روسيا.

وهذا بالضبط ما يجعل خطوة زيلينسكي ذكية من الناحية السياسية؛ فهي لا تقدم خدمة مجانية، بل تحاول بناء صفقة مركبة: خبرة أوكرانية في مواجهة المسيّرات مقابل تمويل، أو تسليح، أو دعم سياسي، أو مزيج من كل ذلك.

الخلاصة.. لماذا أرسل زيلينسكي خبراء أوكرانيين إلى الشرق الأوسط؟

الجواب المختصر هو أن زيلينسكي يريد استثمار الحرب الأوكرانية نفسها في فتح باب جديد للدعم. فهو يسعى إلى تحويل التجربة الأوكرانية في مواجهة المسيّرات إلى ورقة نفوذ إقليمي، تساعد بلاده على كسب المال والسلاح والمكانة السياسية في وقت يتغير فيه سلم الأولويات الدولية. وتؤكد تقارير رويترز أن هناك بعدا عمليا مباشرا يتعلق بطلب أمريكي، وبمناقشات مع قطر والإمارات حول حماية الأجواء والتعاون الدفاعي، بينما يبقى التفسير القائل بأن الهدف الأعمق هو البحث عن مصادر تمويل جديدة تحليلا مطروحا بقوة في بعض القراءات الإعلامية.

وفي النهاية، لا يبدو أن أوكرانيا ترسل خبراءها إلى الشرق الأوسط بدافع التضامن المجرد، بل لأنها تدرك أن الحروب الحديثة لا تُدار فقط بالسلاح، وإنما أيضا بإعادة تدوير الخبرة إلى نفوذ، وتحويل الحاجة الأمنية لدى الآخرين إلى مكسب سياسي ومالي واستراتيجي لها.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.