لم تكن أزمة يهود مصر بعد ثورة يوليو حادثًا عارضًا في إدارة ملف شديد الحساسية، بل كانت نتاجًا مباشرًا لسوء فهم جوهري لمعنى السياسة والمواطنة والدولة الحديثة. ما جرى لم يكن خطأً إداريًا يمكن تجاوزه، بل تعبيرًا فاضحًا عن خلفية سياسية وثقافية محدودة لحكام جدد لم يمتلكوا أدوات التمييز بين الأمن القومي والحقوق المدنية، ولا بين الهوية والمواطنة.
جاء الضباط الأحرار من بيئة اجتماعية مغلقة، ريفية في تكوينها الذهني، لم تختبر التعدد، ولم تعش تعقيد المدينة، ولم تتعامل مع مفهوم “المواطن” باعتباره فردًا تُكفل حقوقه بالقانون المجرد، لا بالانتماء الديني أو الطبقي. حملوا إلى الحكم منطق القرية:
الغريب يُشك فيه، الاختلاف خطر، والولاء يُقاس بالهوية لا بالقانون.
هذه الخلفية، بحد ذاتها، ليست خطيئة اجتماعية. لكنها تحولت إلى كارثة سياسية حين أُسند إليها حكم دولة مركبة مثل مصر: مدينةً، وتاريخًا، وتركيبًا بشريًا. بدل بناء دولة مؤسسات، أُدير الحكم بعقلية أمنية بدائية ترى السياسة صراعًا صفريًا، وترى المواطنة امتيازًا يُمنح لا حقًا يُصان.
في هذا السياق، لم يكن مستغربًا أن يُختزل يهود مصر — وهم مكوّن تاريخي أصيل — في صورة “الآخر المشكوك فيه”. لم يفرّق الحكّام الجدد بين اليهودي والصهيوني، ولا بين المواطن والعدو؛ لا لأن الفروق غامضة، بل لأن الأدوات الفكرية والخبرة السياسية اللازمة لهذا التمييز لم تكن موجودة أصلًا.
جاء عدوان 1956 ليكشف عمق هذا العجز. فبدلًا من محاسبة المتورطين في التجسس أو الخيانة وفق القانون، اختارت الدولة أقصر الطرق وأكثرها فجاجة: العقاب الجماعي. طرد، مصادرة، اعتقال، وإجبار على الرحيل، جميعها جرت تحت لافتة “السيادة الوطنية”، بينما كانت في جوهرها فشلًا ذريعًا في إدارة التنوع.
ما تعرّض له يهود مصر لم يكن فعلًا ثوريًا، بل انحدارًا سياسيًا. دولة تزعم الحداثة لكنها تحاكم الناس بهويتهم. سلطة ترفع شعارات العدالة الاجتماعية لكنها تعجز عن تحقيق أبسط صور العدالة القانونية. نظام يتحدث باسم الشعب، لكنه يخشى المجتمع.
الأخطر أن هذا النموذج لم يتوقف عند هذه الحالة. لقد أرسى الضباط الأحرار تقليدًا سياسيًا بالغ الخطورة:
-
الدولة فوق القانون،
-
الأمن يبرّر الإقصاء،
-
والثقافة ليست شرطًا للحكم.
بهذا المعنى، لم يكن خروج يهود مصر استثناءً، بل كان التمرين الأول على دولة لا تفهم المواطنة، ولا تثق في المجتمع، ولا ترى في الاختلاف سوى تهديد. دولة تحكمها غريزة الريف لا تعقيد المدينة، ومنطق الثكنة لا روح السياسة.
إن نقد تجربة الضباط الأحرار اليوم ليس تطاولًا على التاريخ، بل ضرورة معرفية لفهم كيف تحوّل مشروع وطني واعد إلى سلطة تُدير الخوف بدل القانون. فالدول لا تُدار بالنوايا، ولا تُبنى بالشعارات، ولا تُحكم بعقلية لا ترى في المواطن سوى مشتبهٍ به محتمل.


