الاثنين، ١٨ مايو ٢٠٢٦ في ١٠:١١ م

كواليس النووي خلف الأبواب المغلقة.. ضغط ترامب يدفع إيران إلى بوابة موسكو لإنقاذ اليورانيوم

خلف الأبواب المغلقة، لا تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية مجرد سجال دبلوماسي حول بنود تقنية، بل معركة كسر عظم على أخطر ملف في الشرق الأوسط. إيران، التي كانت ترفع سقف التحدي في وجه واشنطن، وجدت نفسها أمام ضغط أمريكي متصاعد دفعها، وفق تقارير غربية، إلى طرح نقل جزء من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة، بينما برزت روسيا كخيار حاضر بقوة في الكواليس. لكن واشنطن لا تبدو مستعدة لقبول صفقة رمادية تُخرج اليورانيوم من يد طهران لتضعه عمليًا في حضن موسكو.

إيران تناور باليورانيوم.. لا تفكيك كامل ولا تسليم مباشر

بحسب ما نقلته «بلومبرغ» عن تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن إيران عرضت في ردها على أحدث مقترح أمريكي نقل بعض مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة، لكنها رفضت في المقابل تفكيك منشآتها النووية. وهذه النقطة تحديدًا تكشف جوهر المناورة الإيرانية: تقديم تنازل محسوب في المخزون، مع الحفاظ على البنية التي تسمح باستعادة القدرة لاحقًا.

هنا لا نتحدث عن تراجع كامل، بل عن محاولة لإنتاج صيغة وسط: تخفيف الضغط الدولي، وفتح نافذة اقتصادية، ومنع ضربة أكبر، من دون التخلي الكامل عن أوراق البرنامج النووي.

روسيا تدخل من باب «الوسيط النووي»

الدور الروسي ليس جديدًا في هذا الملف. فقد أعلنت موسكو استعدادها لاستقبال اليورانيوم الإيراني المخصب ضمن أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة، وقال الكرملين إن روسيا مستعدة لهذا الدور في إطار صفقة محتملة.

كما سبق أن طُرحت فكرة نقل اليورانيوم الإيراني إلى روسيا في اتصال بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، لكن تقارير نقلت أن ترامب رفض هذا المقترح، لأنه يمنح موسكو دورًا حساسًا في قلب الملف، ويترك مادة شديدة الخطورة داخل دائرة خصوم واشنطن لا خارجها.

بوشهر في الخلفية.. مفاعل روسي وورقة إيرانية

يرتبط الحديث عن روسيا أيضًا بمفاعل بوشهر، حيث تملك موسكو تاريخًا طويلًا من التعاون النووي مع طهران. ووفق تقارير متخصصة، يرى بعض الخبراء أن روسيا تملك القدرة الفنية على نقل وتخزين اليورانيوم الإيراني، بينما تؤكد موسكو أنها الدولة الأكثر خبرة في التعامل النووي مع إيران.

لكن هذه النقطة هي ذاتها ما يثير قلق واشنطن. فالمشكلة ليست فقط في مكان تخزين اليورانيوم، بل فيمن يملك حق السيطرة عليه، ومن يضمن عدم تحوله لاحقًا إلى ورقة ابتزاز أو مقايضة أو عودة إيرانية سريعة إلى التخصيب.

ترامب يرفع السقف.. لا تنازلات مجانية

في المقابل، بدا موقف ترامب أكثر تشددًا خلال الأيام الأخيرة. فقد نقلت تقارير أنه رفض تقديم تنازلات لإيران بعد ردها الأخير، مؤكدًا أن طهران تعرف ما قد يحدث قريبًا، في إشارة إلى أن واشنطن لم تعد ترى الوقت مفتوحًا أمام مناورات بلا نهاية.

هذا التشدد ينسجم مع قراءة مؤيدي ترامب بأن «الضغط الأقصى» بدأ يؤتي ثماره: نظام كان يرفع شعارات التصعيد، ويدعم وكلاءه في المنطقة، ويهدد إسرائيل والمصالح الأمريكية، بات يبحث عن مخارج عبر روسيا أو عبر تنازلات جزئية لتجنب عواقب أكبر.

هل تقدّم إيران تنازلًا أم تشتري وقتًا؟

السؤال الأهم: هل عرض نقل اليورانيوم إلى طرف ثالث يعني أن إيران تتراجع فعلًا، أم أنها تحاول شراء وقت جديد؟

المؤشرات تقول إن طهران لا تزال ترفض جوهر المطلب الأمريكي الأشد: تفكيك القدرة النووية بشكل لا يسمح بإعادة تشغيلها بسهولة. لذلك فإن نقل المخزون وحده لا يكفي إذا بقيت أجهزة التخصيب، والبنية الفنية، والخبرة، والمنشآت قادرة على إنتاج مخزون جديد عند أول انهيار سياسي للاتفاق.

ولهذا تخشى واشنطن أن تكون الصيغة الروسية مجرد «مخزن مؤقت» لا حلًا نهائيًا.

صفقة اقتصادية أم إنقاذ للنظام؟

النص المتداول يتحدث أيضًا عن استعداد إيراني للتراجع عن بعض مطالب التعويضات إذا حصلت طهران على «مخارج اقتصادية» أو جزر من التخفيف المالي. هذه النقطة، إن صحت، تعني أن المفاوضات لم تعد نووية فقط، بل أصبحت معادلة بقاء اقتصادي.

إيران لا تفاوض فقط على اليورانيوم، بل على العقوبات، والنفط، والأموال المجمدة، وممرات التنفس الاقتصادي. وفي المقابل، تريد واشنطن ألا تتحول أي مكافأة اقتصادية إلى تمويل جديد لوكلاء إيران أو إلى وقت إضافي لإعادة بناء القدرة النووية.

موسكو ليست صندوق أمانات

المعضلة الأمريكية واضحة: هل يمكن الوثوق بروسيا لتكون أمينًا على اليورانيوم الإيراني في لحظة صراع عالمي مفتوح مع الغرب؟

الإجابة داخل واشنطن تميل إلى الحذر الشديد. فروسيا ليست طرفًا محايدًا، بل خصم استراتيجي، وأي تسليم فعلي لها بملف بهذا الحجم قد يمنح بوتين نفوذًا إضافيًا في الشرق الأوسط، وورقة تفاوض مع الولايات المتحدة في ملفات أخرى.

لذلك، تبدو إدارة ترامب حريصة على منع صيغة تجعل الاتفاق النووي الإيراني رهينة لموسكو، أو تمنح إيران طريقًا التفافيًا يحافظ على جوهر قدرتها النووية.

المنطقة على حافة اختبار جديد

فشل الصفقة أو نجاحها لن يبقى داخل غرف التفاوض. فالملف النووي الإيراني متصل مباشرة بإسرائيل، والخليج، ولبنان، والعراق، واليمن، وحركة الملاحة والطاقة في المنطقة. وقد حذرت تقارير دولية من أن الجمود الحالي بين واشنطن وطهران يزيد خطر التصعيد أو سوء الحسابات، خاصة مع تمسك كل طرف بخطوطه الحمراء.

وفي لحظة كهذه، يصبح كل بند في الاتفاق المحتمل قابلًا للاشتعال: أين يذهب اليورانيوم؟ من يراقب؟ من يعاقب؟ ماذا يحدث إذا خالفت إيران؟ وهل تملك واشنطن آلية ردع فورية لا تشبه صفقات الماضي الضعيفة؟

 إيران بين مطرقة ترامب وسندان بوتين

كواليس المفاوضات تكشف أن إيران لم تعد تتحرك من موقع الراحة. فهي تعرض نقل جزء من اليورانيوم، وتبحث عن وسيط روسي، وتحاول الحصول على متنفس اقتصادي، لكنها في الوقت نفسه ترفض تفكيك قلب برنامجها النووي.

أما ترامب، فيقدّم نفسه في موقع من يرفض تكرار صفقات تسمح لإيران بالتقاط الأنفاس ثم العودة إلى التخصيب. وبين واشنطن وموسكو وطهران، تقف المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة: صفقة قوية تنزع الخطر من جذوره، أو اتفاق رمادي ينقل الأزمة من يد إلى يد، ثم يعيدها لاحقًا أكثر اشتعالًا.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.