لم تعد مشاعر الغضب والرفض تجاه إسرائيل محصورة في مصر أو العالم العربي فقط، بل تحولت إلى حالة عالمية متنامية، غذّتها سنوات طويلة من الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، ورفض أي مسار لتعايش سلمي حقيقي، وصولًا إلى الحرب المدمرة على غزة التي أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العالمي بوصفها قضية ظلم تاريخي مستمر.
وفي هذا السياق، فجّرت تقارير إعلامية إسرائيلية جدلًا واسعًا، بعدما زعمت أن جنديًا إسرائيليًا دخل مصر بجواز سفر أجنبي عاد بمقاطع فيديو قال إنها تُظهر «حجم الكراهية تجاه الإسرائيليين في الشارع المصري»، في واقعة تكشف – من زاوية أعمق – النتائج المباشرة لسياسات الاحتلال، لا مجرد مشاعر عداء عابرة كما تحاول الرواية الإسرائيلية تصويرها.
رواية إسرائيلية تتجاهل الجذور
قالت القناة العاشرة الإسرائيلية إن جنديًا إسرائيليًا سابقًا، يدعى غال سويسا، دخل مصر مستخدمًا جواز سفر برتغاليًا، دون إظهار أي دلالة على جنسيته الإسرائيلية، بدعوى السياحة وزيارة الأهرامات.
وبحسب القناة، صوّر سويسا مقاطع فيديو خلال تجوله في شوارع القاهرة، زعم فيها أنه لمس ما وصفه بـ«كراهية غير طبيعية» تجاه الإسرائيليين، مدعيًا أن الإسرائيليين يُصوَّرون في الخطاب الشعبي كـ«أعداء يجب القضاء عليهم».
لكن هذه الرواية، كما يرى مراقبون، تفصل المشاعر الشعبية عن سياقها السياسي والإنساني، متجاهلة أن ما تسميه «كراهية» هو في جوهره رفض للاحتلال وجرائمه، وليس عداءً عرقيًا أو دينيًا.

غزة… الجرح المفتوح
منذ سنوات، وخصوصًا بعد الحروب المتكررة على غزة، تصاعدت مشاعر الغضب في الشارع العربي والعالمي، مع توالي:
-
القصف واسع النطاق للأحياء السكنية
-
سقوط آلاف المدنيين، بينهم أطفال ونساء
-
تدمير البنية التحتية والمستشفيات
-
فرض حصار خانق حول القطاع
هذه الوقائع، الموثقة بتقارير أممية وحقوقية، جعلت من إسرائيل في نظر ملايين البشر دولة احتلال تمارس عقابًا جماعيًا، وليس «دولة تبحث عن الأمن» كما تروّج رسميًا.
سياسة التوسع ورفض التعايش
لا تقف أسباب الرفض الشعبي عند حدود غزة، بل تمتد إلى سياسة التوسع الاستيطاني ورفض إسرائيل أي حل عادل يقوم على:
-
إنهاء الاحتلال
-
إقامة دولة فلسطينية مستقلة
-
احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان
ومع كل جولة تصعيد، تتآكل فكرة «التعايش السلمي» أكثر، ليحل محلها شعور متزايد بأن إسرائيل لا تريد سلامًا، بل هيمنة دائمة، وهو ما ينعكس مباشرة في الرأي العام العربي والعالمي.
توقيت النشر يثير التساؤلات

أشارت القناة العبرية إلى أن سويسا لم ينشر أي محتوى من داخل مصر، وانتظر حتى غادرها إلى إثيوبيا بعد 9 أيام، قبل أن يبدأ نشر مقاطعه تدريجيًا على منصات التواصل.
وسرعان ما انتشرت الفيديوهات، وانتقلت إلى صفحات عربية، حيث رُبط اسمه بادعاءات مشاركته في أحداث 7 أكتوبر وارتكاب جرائم في غزة، وهي ادعاءات – سواء صحت أو لم تصح – تعكس حجم الغضب الشعبي المتراكم تجاه كل من يُنظر إليه كجزء من آلة الاحتلال.
تهديدات أم نتيجة خطاب مستفز؟
تزعم القناة العاشرة أن سويسا تلقى تهديدات باللغتين العربية والإنجليزية، وصلت إلى دعوات صريحة لاغتياله، ما دفعه – بحسب قوله – إلى تغيير مكان إقامته مؤقتًا خوفًا على حياته.
غير أن مراقبين يرون أن تقديم القصة كحالة اضطهاد فردية يتجاهل حقيقة أوسع:
أن إسرائيل، بسياساتها العسكرية والتوسعية، تنتج بيئة غضب عالمي، ثم تتعامل مع نتائجها كـ«كراهية غير مبررة».
من مصر إلى العالم
اللافت أن المزاعم الإسرائيلية حاولت حصر الظاهرة في الشارع المصري، بينما تشير استطلاعات الرأي والتظاهرات العالمية إلى أن:
-
مشاعر الرفض تتصاعد في أوروبا
-
الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين تنتشر في أمريكا
-
صورة إسرائيل تتدهور عالميًا، خاصة بين الشباب
ما يعني أن الأزمة ليست «مصرية» ولا «عربية»، بل أزمة شرعية أخلاقية تواجهها إسرائيل على مستوى العالم.

الاحتلال وصناعة العداء
يرى محللون أن إسرائيل تحصد اليوم ثمار سياساتها:
-
الاحتلال الطويل
-
الحروب المتكررة
-
تجاهل قرارات الشرعية الدولية
-
الاستعلاء السياسي والعسكري
وهي سياسات جعلت «الكراهية» – كما تصفها الرواية الإسرائيلية – رد فعل طبيعيًا على الظلم، لا حالة شاذة أو غير مفهومة.
سلام مرفوض أم سياسات مفروضة؟
تكشف واقعة الجندي الإسرائيلي المتخفي، كما ترويها القناة العاشرة، عن مفارقة جوهرية:
إسرائيل تطالب العالم بتفهم مخاوفها، بينما ترفض الاعتراف بأن أفعالها هي السبب الرئيسي في تصاعد الغضب والكراهية ضدها.
وفي ظل استمرار الحرب على غزة، والتوسع في الأراضي المحتلة، وغياب أي أفق سياسي حقيقي، يبدو أن العزلة الأخلاقية لإسرائيل ستتسع، وأن ما تواجهه اليوم ليس كراهية عابرة، بل حكمًا شعبيًا عالميًا على سياسات احتلال لا تريد أن ترى نهايتها.


