في الساعات الأولى من فجر العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، سارعت وسائل الإعلام الأميركية إلى تقديم قوات دلتا فورس باعتبارها «القبضة الفولاذية» التي لا تُقهر، قوة خارقة تتحرك بصمت، وتضرب بدقة، وتنسحب كما في أفلام الأكشن الهوليوودية.
غير أن استدعاء التاريخ القريب والبعيد يكشف صورة أكثر تعقيدًا، بل وأكثر تناقضًا، بين الأسطورة المصنوعة إعلاميًا والواقع العملياتي الذي شهد إخفاقات مدوية لا تزال محفورة في الذاكرة العسكرية الأميركية.
دلتا فورس.. النشأة وصناعة الأسطورة
تُعرف رسميًا باسم 1st Special Forces Operational Detachment-Delta، وهي وحدة نخبوية أُنشئت عام 1977 لمهام «مكافحة الإرهاب والعمليات الخاصة عالية الخطورة».
ومنذ الثمانينيات، تحوّلت دلتا فورس إلى أيقونة عسكرية في الثقافة الأميركية، غذّتها:
-
أفلام مثل Black Hawk Down
-
مسلسلات وألعاب فيديو
-
تغطيات إعلامية تصف عناصرها بـ«الجنود الأشباح»
لكن خلف هذه الصورة السينمائية، تكشف الوقائع أن النجاح لا يعتمد فقط على الكفاءة القتالية، بل على السياق السياسي والعسكري، وحجم المقاومة، وطبيعة الأرض.

كاراكاس 2026.. عملية بلا مقاومة أم «تسليم أهالي»؟
في فنزويلا، صُوّرت عملية اعتقال مادورو كإنجاز خاطف:
-
مروحيات
-
إنزال سريع
-
اقتحام محكم
-
انسحاب دون خسائر تُذكر
غير أن السؤال الذي تردّد بقوة: أين كانت المقاومة؟
فغياب الاشتباك الحقيقي، وعدم إسقاط طائرة واحدة، وعدم وقوع خسائر أميركية، فتح الباب أمام تفسير متزايد في الأوساط السياسية والعسكرية مفاده أن العملية لم تكن اختبارًا حقيقيًا لقوة دلتا فورس، بل جرت في بيئة مهيأة سلفًا، وسط اتهامات بأن الجيش الفنزويلي «سلّم» الرئيس دون قتال.
غزة.. حين فشلت الأسطورة أمام الواقع
قبل كاراكاس، واجهت دلتا فورس اختبارًا أكثر قسوة في قطاع غزة، حيث شاركت في محاولة تحرير أسير ضمن تنسيق أميركي–إسرائيلي.
النتيجة، بحسب ما تسرّب لاحقًا:
-
فشل كامل للمهمة
-
عدم تحرير أي أسير
-
انسحاب القوة دون تحقيق الهدف
ورغم التعتيم الإعلامي، فإن هذا الإخفاق كشف أن الوحدات الخاصة، مهما بلغت خبرتها، تفقد ميزتها حين تواجه أرضًا معادية، وشبكات مقاومة محلية تعرف جغرافيتها جيدًا.
![]()
الصومال 1993.. الجرح الذي لم يلتئم
إذا كان فشل غزة حديثًا، فإن الصومال عام 1993 يبقى الجرح الأعمق في تاريخ دلتا فورس.
حينها حاولت الولايات المتحدة تنفيذ عملية شبيهة بما جرى في فنزويلا:
اعتقال قيادي كبير (نائب الرئيس الصومالي وقتها) في قلب العاصمة مقديشو، وبنفس الوحدة: دلتا فورس.
ما حدث تحوّل إلى كارثة عسكرية تاريخية:
-
مقتل 18 جنديًا أميركيًا من قوات دلتا
-
بينهم اثنان من أفضل القناصين في الولايات المتحدة آنذاك
-
إصابة أكثر من 70 جنديًا
-
إسقاط مروحيتين بلاك هوك
-
سحل جثث الجنود الأميركيين في شوارع مقديشو
النتيجة:
-
فشل المهمة بالكامل
-
فضيحة سياسية وعسكرية مدوّية
-
انسحاب أميركي شبه كامل
-
وعدم عودة القوات الأميركية إلى الصومال لسنوات طويلة
وهنا وُلدت الحقيقة الصادمة: دلتا فورس ليست invincible.
من مقديشو إلى كاراكاس.. ما الذي تغيّر؟
الفارق الجوهري بين:
-
الصومال 1993
-
غزة 2025
-
فنزويلا 2026
ليس في مهارة دلتا فورس وحدها، بل في:
-
مستوى المقاومة
-
طبيعة البيئة
-
موقف القوات المحلية
في الصومال وغزة، واجهت دلتا:
-
مقاومة مسلحة
-
أرضًا معادية
-
كمائن
-
التفافًا شعبيًا
أما في فنزويلا، فالمشهد بدا مختلفًا تمامًا، ما يعزز فرضية أن النجاح لم يكن نتيجة «قوة فولاذية خارقة» بقدر ما كان نتيجة فراغ أمني أو تفاهمات داخلية.
أسطورة القوة.. صناعة إعلامية أم حقيقة عسكرية؟
يرى خبراء عسكريون أن دلتا فورس:
-
قوة نخبوية حقيقية في ظروف معينة
-
لكنها ليست عصية على الفشل
-
وتنهار ميزتها عندما تفقد عنصر المفاجأة أو تواجه مقاومة منظمة
وبينما تُصدَّر للرأي العام كقوة لا تُهزم، فإن سجلّها العملي يقول إن:
«الأسطورة تنجح حين يغيب الخصم… وتنكسر حين يكون الخصم حاضرًا».
الأكشن شيء.. والحرب شيء آخر
اختطاف مادورو أعاد دلتا فورس إلى واجهة المشهد العالمي، لكن التاريخ لا يُمحى بلقطة ناجحة واحدة.
من مقديشو إلى غزة، مرورًا بـكاراكاس، تبقى الحقيقة ثابتة:
القوة الخاصة ليست سحرًا، والانتصار لا يُقاس بعدد الطائرات أو المروحيات، بل بوجود مقاومة حقيقية من عدمه.
وفي النهاية، قد تبدو دلتا فورس «فولاذية» على الشاشات،
لكن على الأرض… الواقع أكثر صلابة من أي فيلم أكشن.


