دخلت إيران مرحلة غير مسبوقة من التوتر الداخلي، بعد إعلان شركة NetBlocks، المتخصصة في مراقبة الوصول إلى الإنترنت عالميًا، عن انقطاع كامل للإنترنت في جميع أنحاء البلاد، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا خطيرًا يواكب اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية ودعوات المعارضة إلى تحركات واسعة خلال الساعات المقبلة.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المدن الإيرانية موجة احتجاجات متواصلة، وسط اتهامات للسلطات باستخدام الحصار الرقمي كأداة لإحكام السيطرة ومنع التنسيق بين المحتجين ونقل الصور والمعلومات إلى الخارج.
نتبلوكس: انقطاع تام على مستوى البلاد
أكدت مجموعة مراقبة الإنترنت نتبلوكس، الخميس، أن البيانات المباشرة تُظهر توقفًا كاملًا للاتصال بالإنترنت في إيران، موضحة أن هذا الإجراء جاء على خلفية الاحتجاجات المتصاعدة التي تشهدها البلاد منذ نحو أسبوعين.
وذكرت المجموعة أن قطع الإنترنت يبدو جزءًا من سلسلة إجراءات رقابية رقمية تهدف إلى عرقلة تنظيم المظاهرات، ومنع تداول الوثائق ومقاطع الفيديو التي توثق ما يجري في الشارع الإيراني.

دعوات للتصعيد وتحذير مسبق من قطع الإنترنت
بالتزامن مع هذه التطورات، نقلت وسائل إعلام إيرانية أن قطع الإنترنت جاء وسط دعوات من المعارضة الإيرانية لتصعيد الاحتجاجات مساء الخميس، في محاولة للضغط على السلطات في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وكان رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي، قد حذّر في وقت سابق من الخميس من احتمال لجوء السلطات إلى قطع الإنترنت، معتبرًا أن حجم التحركات الاحتجاجية بلغ مستوى “غير مسبوق”.
ودعا بهلوي، في رسالة مصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى تحركات جديدة وواسعة، مشيرًا إلى أن النظام يبدي خشية كبيرة من اتساع رقعة الغضب الشعبي، وقد يستخدم العزل الرقمي لإخماد الاحتجاجات.
قمع ميداني: غاز مسيل للدموع ورصاص حي
على الأرض، أفادت تقارير باستخدام قوات الأمن الإيرانية الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لتفريق محتجين في عدة مدن، في ظل استمرار التحركات التي اندلعت أساسًا على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، قبل أن تتخذ لاحقًا طابعًا سياسيًا أكثر وضوحًا.
كما دعت قوى معارضة في الخارج إلى احتجاجات إضافية وإضرابات داخل إيران، في محاولة لزيادة الضغط الشعبي، بالتزامن مع الحصار الإعلامي والرقمي المفروض على البلاد.
من مطالب معيشية إلى شعارات سياسية
الاحتجاجات، التي دخلت يومها الثاني عشر، لم تعد تقتصر على المطالب الاقتصادية، بل اتسع نطاقها ليشمل شعارات سياسية مناهضة للسلطات، وعلى رأسها المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي يتولى منصبه منذ عام 1989.
ويرى مراقبون أن هذا التحول في طبيعة المطالب يمثل تحديًا مباشرًا للنظام، ويزيد من حساسية المرحلة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والدولية المحيطة بإيران.
أوسع احتجاجات منذ مهسا أميني
وتُعد هذه التحركات الأوسع في إيران منذ احتجاجات عامي 2022 و2023، التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، على خلفية ما قيل إنه انتهاك لقواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء.
وقد شكّلت تلك الأحداث نقطة تحول في العلاقة بين الشارع الإيراني والسلطات، ولا تزال تداعياتها حاضرة في المشهد الحالي.

عزل رقمي… ورسائل سياسية
يعتبر خبراء أن القطع الشامل للإنترنت لا يهدف فقط إلى السيطرة الأمنية، بل يحمل رسائل سياسية داخلية وخارجية، مفادها أن السلطات مستعدة لاستخدام أقصى أدواتها لمنع انتشار الاحتجاجات أو تدويلها إعلاميًا.
في المقابل، يرى معارضون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى مزيد من الغضب الشعبي، وتُعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
مرحلة مفصلية في تاريخ ايران الحديث
بين الشارع المشتعل، والحصار الرقمي الكامل، وتصاعد القمع الميداني، تقف إيران أمام مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث.
فالإنترنت المقطوع قد يعزل المحتجين عن العالم مؤقتًا، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم القلق داخل أروقة السلطة، في مواجهة موجة احتجاجات تبدو أكثر تنظيمًا واتساعًا من أي وقت مضى.


