عاصفة جدل في فرنسا بعد دعوى إثبات نسب.. هل تعيد القضية فتح النقاش حول الأسرة والعلمانية؟
أثارت تقارير إعلامية متداولة جدلًا واسعًا في الأوساط الفرنسية بعد تداول أنباء عن تقدم رشيدة داتي، وزيرة العدل الفرنسية، بدعوى قضائية تتعلق بإثبات نسب، في قضية أعادت إلى الواجهة نقاشًا قديمًا ومتجددًا حول مفهوم الأسرة في المجتمع الفرنسي، وتأثير النموذج العلماني اللائكي على البنية الاجتماعية.
وبحسب ما تم تداوله، فإن الرجل المعني بالقضية دفع بعدم أحقيته المنفردة في تحمل المسؤولية، مطالبًا بإدخال آخرين في الدعوى، في تطور قانوني أثار جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا داخل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
ورغم أن تفاصيل القضية لا تزال ضمن الإطار القانوني، فإن انعكاساتها السياسية والاجتماعية تجاوزت شخصيات أطرافها، لتتحول إلى مادة سجال واسع حول التحولات القيمية في المجتمع الفرنسي.
العلمانية الفرنسية تحت المجهر
العلمانية الفرنسية، أو ما يُعرف بـ"اللائكية"، تُعد من أكثر النماذج تشددًا في الفصل بين الدين والدولة، وقد شكلت منذ عقود الأساس الفلسفي للنظام الجمهوري الفرنسي.
لكن منتقدي هذا النموذج يرون أن الفصل الصارم بين المجالين العام والديني لم يقتصر على السياسة فقط، بل امتد إلى إعادة تشكيل مفاهيم الأسرة والزواج والأمومة والأبوة.
وتشير بيانات ديموغرافية رسمية في فرنسا إلى ارتفاع نسب المواليد خارج إطار الزواج خلال العقود الأخيرة، حيث تجاوزت 60% من إجمالي المواليد وفق إحصاءات حديثة، فيما ترتفع نسب الأطفال الذين لا يعيشون ضمن نموذج الأسرة التقليدية.
في المقابل، يرى أنصار النموذج الفرنسي أن هذه الأرقام تعكس تحولات اجتماعية طبيعية في المجتمعات الحديثة، وأن مفهوم الأسرة تطور ليشمل أشكالًا متعددة لا تقتصر على الإطار التقليدي للزواج.
قضية قانونية أم صراع حضاري؟
القضية المطروحة اليوم لم تعد مجرد دعوى إثبات نسب داخل أروقة القضاء، بل تحولت إلى نقطة اشتباك فكري بين رؤيتين مختلفتين:
-
رؤية تعتبر أن الحرية الفردية المطلقة تؤدي إلى تفكك البنية الأسرية.
-
ورؤية ترى أن التطور الاجتماعي يقتضي الاعتراف بأنماط جديدة من العلاقات الأسرية.
ويرى محللون أن الجدل القائم يعكس انقسامًا أعمق داخل أوروبا بين التيارات المحافظة والتيارات الليبرالية، خاصة في ظل تصاعد الخطاب اليميني الذي يربط بين الأزمات الاجتماعية والتحولات الثقافية.

الأسرة بين القيم التقليدية والتحولات الحديثة
لا يختلف اثنان على أن الأسرة تشكل النواة الأساسية لأي مجتمع، لكن تعريف هذه الأسرة بات محل جدل واسع في أوروبا.
فبينما تتمسك مجتمعات كثيرة بنموذج الأسرة التقليدية القائمة على الزواج الرسمي، تتجه دول أخرى إلى الاعتراف بأشكال مختلفة من الروابط الأسرية.
ويرى خبراء اجتماعيون أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بشخص أو قضية بعينها، بل يتعلق بالسؤال الأعمق:
كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحرية الفردية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي؟
ما الذي تعكسه هذه القضية؟
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات متعددة، من انخفاض معدلات الزواج، إلى تراجع معدلات الإنجاب، وصولًا إلى صعود التيارات الشعبوية التي ترفع شعار "استعادة القيم التقليدية".
ويرى مراقبون أن أي قضية ذات طابع شخصي حين تمس شخصية سياسية بارزة، تتحول سريعًا إلى معركة رمزية تعكس صراعًا أوسع حول هوية المجتمع ومستقبله.
وفي النهاية، تبقى المسألة في إطارها القانوني بيد القضاء الفرنسي، بينما يستمر الجدل الفكري والسياسي حول النموذج الاجتماعي الذي تسير عليه فرنسا.


