الثلاثاء، ١٠ مارس ٢٠٢٦ في ١٠:٤٤ م

. قراءة في حسابات موسكو وبكين وسط تصاعد المواجهة في الشرق الأوسط

موقف الصين وروسيا من حرب إيران.. توازن دقيق بين دعم طهران وتجنب المواجهة مع الغرب

مع اتساع رقعة الحرب الدائرة حول إيران وتصاعد الضربات العسكرية المتبادلة في المنطقة، برز سؤال جوهري في المشهد الدولي: كيف ستتعامل القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، مع هذا التصعيد الخطير؟

فكل من موسكو وبكين يرتبطان بعلاقات استراتيجية وثيقة مع طهران، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، لكن في الوقت ذاته يدرك البلدان أن الانخراط المباشر في الصراع قد يفتح أبواب مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

لذلك يبدو أن الموقف الروسي والصيني يسير حتى الآن وفق معادلة دقيقة تقوم على دعم إيران سياسيًا ودبلوماسيًا، مع تجنب التورط العسكري المباشر في الحرب.


الصين.. حماية المصالح الاقتصادية قبل كل شيء

تتعامل الصين مع الحرب حول إيران من زاوية مختلفة عن باقي القوى الدولية، حيث ترتبط بكين مع طهران بعلاقات اقتصادية عميقة، خاصة في قطاع الطاقة.

فالصين تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، كما أن إيران تمثل جزءًا مهمًا من مشروع الحزام والطريق الذي تسعى بكين من خلاله إلى توسيع نفوذها الاقتصادي عبر آسيا والشرق الأوسط.

ولهذا السبب، فإن بكين ترى أن استمرار الحرب أو اتساعها قد يشكل تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية، خصوصًا في ما يتعلق:

  • بأمن إمدادات الطاقة

  • باستقرار طرق التجارة العالمية

  • بحركة الملاحة في مضيق هرمز

وقد أظهرت التصريحات الرسمية الصينية خلال الأيام الماضية تركيزًا واضحًا على الدعوة إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، حيث شددت وزارة الخارجية الصينية على ضرورة تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة.

وفي هذا السياق، تحاول الصين لعب دور الوسيط الهادئ، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع عدد من القوى الإقليمية، بما في ذلك إيران ودول الخليج.


                                                                    صواريخ ايران تنهمر علي اسرائيل

روسيا.. دعم سياسي لإيران ورسائل للغرب

أما روسيا فتتعامل مع الحرب من منظور استراتيجي مختلف، حيث ترى موسكو أن التصعيد ضد إيران يمثل جزءًا من الصراع الأوسع بينها وبين الغرب.

فالعلاقات الروسية الإيرانية شهدت خلال السنوات الأخيرة تقاربًا كبيرًا، خاصة في ملفات:

  • التعاون العسكري

  • التنسيق في سوريا

  • التعاون في مجال الطاقة

  • مواجهة العقوبات الغربية

ولهذا السبب، فإن موسكو تنظر إلى أي محاولة لإضعاف إيران على أنها ضربة محتملة لمحور التوازن الذي تسعى روسيا إلى بنائه في مواجهة النفوذ الأمريكي.

وقد صدرت عدة تصريحات من مسؤولين روس خلال الأيام الماضية تؤكد أن موسكو ترفض أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى إشعال المنطقة بأكملها، محذرة من أن الحرب قد تتحول إلى كارثة جيوسياسية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.

لكن في الوقت نفسه، لم تعلن روسيا حتى الآن عن أي نية للتدخل العسكري المباشر، وهو ما يعكس إدراكها لحساسية الوضع الدولي، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.


حسابات القوة.. لماذا تتجنب موسكو وبكين المواجهة؟

هناك عدة عوامل تجعل الصين وروسيا حريصتين على عدم الانخراط المباشر في الحرب، رغم علاقاتهما الوثيقة مع إيران.

أول هذه العوامل هو الخوف من اتساع نطاق الصراع إلى مواجهة دولية مفتوحة، خاصة إذا دخلت الولايات المتحدة بشكل كامل في الحرب.

أما العامل الثاني فيتعلق بالمصالح الاقتصادية، حيث تعتمد الصين بشكل كبير على استقرار الأسواق العالمية، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على توازنات الطاقة العالمية التي تشكل أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية.

العامل الثالث يتمثل في أن كلا البلدين يفضلان استخدام الأدوات الدبلوماسية والسياسية بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، وهو نهج يتماشى مع استراتيجيتهما في إدارة الصراع مع الغرب.


                                             مجلس الأمن الدولي

مجلس الأمن.. ساحة المواجهة السياسية

من المتوقع أن يتحول مجلس الأمن الدولي إلى الساحة الرئيسية للصراع السياسي بين القوى الكبرى بشأن الحرب حول إيران.

فكل من روسيا والصين يمتلكان حق الفيتو، ما يمنحهما القدرة على تعطيل أي قرارات دولية قد تُستخدم لتبرير تصعيد عسكري أوسع ضد طهران.

وقد استخدمت موسكو وبكين هذا النفوذ في السابق لعرقلة مشاريع قرارات اعتبرتا أنها قد تؤدي إلى زيادة التوتر في الشرق الأوسط.

ومن المرجح أن يستمر هذا النهج خلال الفترة المقبلة، حيث تحاول الدولتان إبقاء الأزمة ضمن حدود سياسية ودبلوماسية بدلاً من السماح بتحولها إلى حرب إقليمية شاملة.


ماذا تريد الصين وروسيا من هذه الحرب؟

على الرغم من أن الصين وروسيا لا ترغبان في اندلاع حرب واسعة في المنطقة، فإن بعض المحللين يرون أن استمرار التوتر قد يخدم مصالحهما بشكل غير مباشر.

فارتفاع التوترات في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى:

  • زيادة الضغط على الولايات المتحدة

  • تشتيت تركيز واشنطن عن ملفات أخرى مثل أوكرانيا أو تايوان

  • إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة

لكن في المقابل، فإن انفجار حرب إقليمية واسعة قد يشكل خطرًا على الاقتصاد العالمي، وهو ما لا ترغب فيه بكين تحديدًا.


سيناريوهات المرحلة المقبلة

مع استمرار التصعيد العسكري حول إيران، يمكن تصور عدة سيناريوهات لموقف الصين وروسيا خلال الفترة المقبلة.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي لإيران دون أي تدخل عسكري مباشر.

أما السيناريو الثاني فهو أن تلعب بكين وموسكو دورًا أكبر في جهود الوساطة الدولية لوقف الحرب، خاصة إذا بدأت آثار الصراع تتوسع إقليميًا.

بينما يبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا، مرتبطًا بتطورات غير متوقعة قد تدفع البلدين إلى اتخاذ خطوات أكثر حدة في حال تعرضت مصالحهما الاستراتيجية للخطر.


الشرق الأوسط في قلب الصراع الدولي

تكشف الحرب حول إيران مرة أخرى أن الشرق الأوسط لا يزال ساحة رئيسية للتنافس بين القوى الكبرى.

فالصراع لم يعد يقتصر على أطراف إقليمية فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة دولية أوسع تشمل الولايات المتحدة وروسيا والصين.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن موسكو وبكين تحاولان إدارة الأزمة بطريقة تحافظ على مصالحهما الاستراتيجية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تغير شكل النظام الدولي بالكامل.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.