الاثنين، ٢٢ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٣:١٣ م

قراءة إسرائيلية: نتنياهو أراد عزل إيران عن لبنان فوجد نفسه معزولًا عن واشنطن

إعلام عبري: نتنياهو حاول فصل إيران عن لبنان ففشل.. وطهران نجحت في فصل تل أبيب عن واشنطن

أنتشرت في الإعلام العبري قراءات سياسية  عدية ترى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دخل المواجهة الأخيرة وهو يسعى إلى تحقيق هدف واضح: فصل إيران عن لبنان، ومنع طهران من استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط في أي تفاهمات مع الولايات المتحدة.

لكن النتيجة، وفق هذه القراءة التي تناولتها الاعلام العبري  جاءت عكسية تمامًا؛ فبدل أن تنجح إسرائيل في عزل لبنان عن الملف الإيراني، نجحت طهران في فرض لبنان على طاولة التفاوض، وربط مصير التهدئة في الجبهة اللبنانية بمسار التفاهمات مع واشنطن.

الأخطر بالنسبة لتل أبيب أن هذا التطور لم يضع إيران فقط في موقع تفاوضي أقوى  بل أنه  كشف أيضًا وجود مسافة آخذة في الاتساع بين الحسابات الإسرائيلية والحسابات الأمريكية.

معادلة معكوسة تربك تل أبيب

كانت إسرائيل تراهن على أن تبقى الساحة اللبنانية ملفًا منفصلًا عن أي تفاوض أمريكي إيراني، بحيث تحتفظ تل أبيب بحرية التحرك العسكري ضد حزب الله داخل لبنان، دون أن يتحول هذا الملف إلى بند تفاوضي بين واشنطن وطهران.

لكن ما حدث، بحسب تقديرات متداولة في الإعلام العبري، أن إيران رفضت التعامل مع لبنان كجبهة هامشية، واعتبرت أن أي تفاهم إقليمي لا يشمل وقف التصعيد في لبنان سيبقى ناقصًا وغير قابل للاستقرار.

هنا بدأت الأزمة الحقيقية بالنسبة لنتنياهو؛ لأن ربط لبنان بالمفاوضات يعني أن القرار الإسرائيلي لم يعد يتحرك وحده، بل أصبح محكومًا بحسابات أوسع تضم واشنطن وطهران والوسطاء الإقليميين.

نتنياهو حاول فصل إيران عن لبنان

سعى نتنياهو خلال الفترة الماضية إلى تثبيت معادلة تقول إن المواجهة مع حزب الله شأن أمني إسرائيلي مستقل، لا علاقة له بالاتفاقات أو التفاهمات التي قد تجري بين الولايات المتحدة وإيران.

وكان الهدف من هذه المعادلة واضحًا: منع طهران من استخدام لبنان كورقة ضغط، وإبقاء حزب الله تحت ضغط عسكري دائم، مع استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات داخل الجنوب اللبناني أو ضد مواقع تعتبرها تهديدًا مباشرًا.

لكن هذه الاستراتيجية اصطدمت بجدار سياسي ودبلوماسي، بعدما أصبح ملف لبنان حاضرًا بقوة في المحادثات المرتبطة بالتهدئة الإقليمية.

لماذا فشلت الخطة الإسرائيلية؟

فشلت الخطة الإسرائيلية لعدة أسباب رئيسية، أولها أن لبنان لم يعد مجرد جبهة محلية في نظر الأطراف الدولية، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي.

وثانيها أن إيران تعاملت مع لبنان باعتباره ورقة نفوذ مركزية، وليس ملفًا جانبيًا يمكن تجاوزه في أي تسوية.

أما السبب الثالث، فهو أن واشنطن نفسها بدت أكثر اهتمامًا بوقف اتساع الحرب، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض الرغبات الإسرائيلية في استمرار الضغط العسكري.

طهران تربط لبنان بالمفاوضات

نجحت طهران في تحويل الساحة اللبنانية إلى بند أساسي في التفاهمات، عبر الإصرار على أن التهدئة لا يمكن أن تكون مجتزأة.

فمن وجهة النظر الإيرانية، لا معنى لأي اتفاق يخفف التوتر في الخليج أو يفتح باب التفاوض مع واشنطن، بينما تستمر إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية داخل لبنان.

وهذا الربط منح إيران قدرة أكبر على التفاوض، لأنه جعل أي تصعيد في لبنان عنصرًا مؤثرًا على مسار العلاقات بين واشنطن وطهران.

لبنان يتحول إلى ورقة ضغط

بهذا المعنى، لم يعد لبنان مجرد ساحة اشتباك بين إسرائيل وحزب الله، بل تحول إلى ورقة ضغط دبلوماسية تستخدمها طهران لتقييد الحركة الإسرائيلية.

وهذه النقطة تحديدًا هي ما يثير قلق تل أبيب، لأن إسرائيل تخشى أن تصبح حريتها العسكرية في لبنان مرتبطة بموافقة أمريكية أو بتفاهمات دولية لا تملك السيطرة الكاملة عليها.

هل نجحت إيران في فصل تل أبيب عن واشنطن؟

السؤال الأهم الآن: هل نجحت إيران فعلًا في فصل تل أبيب عن واشنطن؟

الإجابة لا تعني أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي انهار، فهذا التحالف لا يزال قويًا وعميقًا. لكنها تعني أن هناك تباينًا واضحًا في الأولويات.

واشنطن تريد تهدئة أوسع، ومنع انفجار إقليمي قد يهدد المصالح الأمريكية وأسواق الطاقة والقواعد العسكرية وحركة الملاحة.

أما تل أبيب، فتريد ضمانات أمنية أكثر صرامة، وحرية عمل عسكري ضد حزب الله، ومنع إيران من تحقيق أي مكسب سياسي من المفاوضات.

وبين هذين المسارين، ظهرت الفجوة التي تراهن طهران على توسيعها.

تل أبيب أمام مأزق القرار الأمريكي

وجدت إسرائيل نفسها أمام معضلة صعبة؛ فهي من جهة لا تريد الظهور وكأنها تعارض واشنطن علنًا، ومن جهة أخرى لا تريد القبول بتفاهمات ترى أنها تمنح إيران نفوذًا إضافيًا.

لذلك ظهر الخطاب الإسرائيلي مزدوجًا: تأكيد على استمرار التنسيق مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه إعلان أن إسرائيل لن تكون ملزمة بأي اتفاق لا يضمن أمنها.

هذا الخطاب يعكس قلقًا حقيقيًا داخل المؤسسة الإسرائيلية من أن تتحول إسرائيل من طرف يقود التصعيد إلى طرف مضطر لمراعاة حسابات واشنطن.

الغضب داخل إسرائيل

أثار مسار التفاهمات بين واشنطن وطهران حالة من الغضب داخل الأوساط الإسرائيلية، خاصة لدى التيارات الأكثر تشددًا التي ترى أن أي اتفاق مع إيران يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس.

ويرى منتقدو نتنياهو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي رفع سقف التوقعات كثيرًا، وتحدث عن تغيير قواعد اللعبة، لكنه في النهاية وجد نفسه أمام اتفاقات لا تحقق كامل الشروط الإسرائيلية.

من عزل إيران إلى عزلة إسرائيلية نسبية

كانت الفكرة الأساسية في استراتيجية نتنياهو هي عزل إيران إقليميًا، وتجفيف أوراقها في لبنان وسوريا وغزة واليمن.

لكن المسار الأخير كشف أن طهران لا تزال قادرة على استخدام هذه الأوراق بطريقة سياسية، وليس عسكرية فقط.

وفي المقابل، أصبحت إسرائيل تخشى من عزلة نسبية داخل القرار الأمريكي، خاصة عندما ترى واشنطن أن استمرار التصعيد قد يضر بمصالحها الكبرى.

وهنا تظهر المفارقة: نتنياهو حاول فصل إيران عن لبنان، لكن طهران نجحت في جعل لبنان جزءًا من القرار الأمريكي تجاه إيران.

لماذا تخشى إسرائيل ربط لبنان بإيران؟

تخشى إسرائيل هذا الربط لأنه يقلل من قدرتها على التحرك منفردة.

فإذا أصبح وقف التصعيد في لبنان جزءًا من تفاهم أمريكي إيراني، فإن أي ضربة إسرائيلية كبيرة قد تُفسر على أنها محاولة لإفشال المسار الدبلوماسي.

وهذا يضع تل أبيب أمام ضغط مزدوج: ضغط أمني من حزب الله، وضغط سياسي من واشنطن والوسطاء الدوليين لعدم تفجير الوضع.

حرية العمل العسكري تحت الاختبار

لطالما تمسكت إسرائيل بمبدأ حرية العمل العسكري، خصوصًا في لبنان وسوريا، لكن المرحلة الحالية تضع هذا المبدأ تحت اختبار حقيقي.

فكلما توسعت المفاوضات الأمريكية الإيرانية، أصبح هامش الحركة الإسرائيلية أكثر حساسية، لأن أي عملية عسكرية قد لا تُقرأ فقط كرسالة أمنية، بل كرسالة سياسية ضد مسار التفاوض.

إيران تستثمر في الوقت والسياسة

تدرك طهران أن القوة لا تقاس فقط بالصواريخ أو الجبهات العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على فرض الملفات على طاولة التفاوض.

ومن هنا، يبدو أن إيران تستخدم لبنان كجزء من استراتيجية أوسع: تثبيت نفوذها الإقليمي، منع إسرائيل من عزل حلفائها، وفتح فجوة بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية.

وإذا استمر هذا المسار، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع جديد؛ لا تستطيع فيه التعامل مع لبنان باعتباره جبهة منفصلة عن إيران.

ماذا يريد نتنياهو الآن؟

يريد نتنياهو استعادة المبادرة، وإقناع واشنطن بأن أي تفاهم مع إيران يجب ألا يقيّد إسرائيل في لبنان.

كما يريد أن يثبت للداخل الإسرائيلي أنه لم يتراجع، وأنه لا يزال قادرًا على حماية الأمن الإسرائيلي ومنع حزب الله من فرض معادلة ردع جديدة.

لكن المشكلة أن قدرته على المناورة أصبحت أضيق، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية لوقف التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.

معركة سياسية قبل أن تكون عسكرية

لم تعد الأزمة الحالية عسكرية فقط، بل أصبحت معركة سياسية على تعريف قواعد اللعبة.

إسرائيل تريد أن تقول إن لبنان ملف أمني منفصل.

إيران تريد أن تقول إن لبنان جزء من التوازن الإقليمي.

واشنطن تريد أن تقول إن الأولوية هي منع الحرب الواسعة.

وبين هذه الرؤى الثلاث، تتشكل معادلة جديدة في الشرق الأوسط.

تحول  في المشهد الإقليمي

تكشف القراءة المتداولة في الإعلام العبري عن تحوّل لافت في المشهد الإقليمي: نتنياهو حاول فصل إيران عن لبنان، لكنه لم ينجح في منع طهران من ربط الساحة اللبنانية بمفاوضاتها مع واشنطن.

وفي المقابل، استطاعت إيران أن تضع تل أبيب أمام معضلة غير مريحة، بعدما جعلت القرار الأمريكي أكثر حذرًا تجاه التصعيد الإسرائيلي.

لذلك، تبدو إسرائيل اليوم في مأزق سياسي واضح؛ فهي لا تزال قوية عسكريًا، لكنها لم تعد وحدها من يحدد إيقاع المواجهة.

أما طهران، فقد نجحت في نقل جزء من المعركة من الميدان إلى طاولة التفاوض، حيث لا تُقاس القوة فقط بعدد الضربات، بل بالقدرة على فرض الشروط وربط الملفات ببعضها.

وبين لبنان وإيران وواشنطن وتل أبيب، تتضح معادلة جديدة عنوانها: من يفشل في فصل الساحات، قد يجد نفسه معزولًا داخل حسابات حلفائه.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.