مباحثات سويسرا تعود للواجهة.. واشنطن وطهران أمام اختبار الالتزام
تعود المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة المشهد الدولي من جديد، بعدما أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أن جولة مرتقبة من الممباحثات ستعقد غدًا في منطقة بورغنستوك بسويسرا، بمشاركة ممثلين عن واشنطن وطهران، إلى جانب وسطاء من باكستان وقطر.
وتأتي هذه الجولة في توقيت بالغ الحساسية، بعدما ألقت جبهة لبنان بظلالها الثقيلة على مسار الاتفاق الأمريكي الإيراني، وسط اتهامات إيرانية للطرف المقابل بعدم تنفيذ التعهدات الواردة في مذكرة التفاهم، وعلى رأسها إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها على لبنان.
بورغنستوك تتحول إلى غرفة تفاوض سرية
بحسب ما أعلنته الخارجية الباكستانية، فإن المحادثات الفنية المرتقبة ستجري في منتجع بورغنستوك السويسري، في إطار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، وتبادل وجهات النظر حول تنفيذ بنود مذكرة التفاهم.
ويحمل اختيار سويسرا دلالة خاصة، باعتبارها ساحة تقليدية للمحادثات الحساسة واللقاءات الدبلوماسية السرية، خاصة في الملفات التي تحتاج إلى ضمانات أمنية وسياسية وبيئة محايدة بعيدة عن الضغوط الإعلامية المباشرة.
قطر وباكستان على خط الوساطة
تشارك قطر وباكستان في المحادثات بوصفهما وسيطين ضمن الجهود الجارية للحفاظ على قنوات التواصل بين واشنطن وطهران.
وتعكس هذه المشاركة رغبة الأطراف في عدم ترك المفاوضات رهينة للتصعيد العسكري أو الخلافات السياسية، خاصة أن أي تعثر جديد قد يفتح الباب أمام موجة توتر أوسع في المنطقة.
وتبدو الوساطة القطرية والباكستانية مهمة في هذه المرحلة، لأن كلا الطرفين يمتلك قنوات اتصال مع أطراف مختلفة في الأزمة، ما قد يساعد في تقريب وجهات النظر ودفع تنفيذ التعهدات العالقة.
إيران تضع لبنان في قلب المفاوضات
في المقابل، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن وفدًا إيرانيًا سيتوجه إلى سويسرا لمتابعة تنفيذ التزامات الطرف الآخر المنصوص عليها في مذكرة التفاهم.
وشددت طهران على أن البند الأول من المذكرة هو الأكثر أهمية في هذه المرحلة، مشيرة إلى أن الطرف المقابل لم يلتزم بتعهده المتعلق بإلزام الكيان الصهيوني بوقف اعتداءاته على لبنان.
وبذلك، تربط إيران بوضوح بين مستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة وبين مسار التصعيد على الجبهة اللبنانية، معتبرة أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يمثل خرقًا لجوهر التفاهمات التي يفترض أن تؤسس لمرحلة تهدئة أوسع.

تحذير إيراني من التأخير الأمريكي
لم تكتف الخارجية الإيرانية بالإشارة إلى ملف لبنان، بل طالبت الولايات المتحدة بالإسراع في تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، محذرة من أن واشنطن ستواجه مشكلات في حال استمرار التأخير.
ويكشف هذا التحذير أن طهران لا تريد الذهاب إلى سويسرا لمجرد استئناف الحوار، بل تسعى إلى تحويل الممباحثات إلى منصة ضغط للحصول على خطوات عملية، لا وعود سياسية مؤجلة.
لماذا تتمسك إيران بالبند الأول؟
تعتبر إيران أن وقف الاعتداءات على لبنان ليس تفصيلًا جانبيًا، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على إلزام حلفائها بمسار التهدئة.
فإذا لم تتمكن واشنطن من ضبط التصعيد الإسرائيلي، فإن طهران قد ترى أن الاتفاق غير قابل للتنفيذ، وأن مذكرة التفاهم تفقد معناها العملي على الأرض.
فانس يلمح إلى جولة جديدة خلال ساعات
في واشنطن، أعلن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس وجود احتمال لعقد جولة جديدة من الممباحثات مع إيران خلال الساعات المقبلة، مؤكدًا أن مسار التفاوض يشهد تقدمًا إيجابيًا.
وقال فانس، في تصريحات نقلتها شبكة فوكس نيوز، إن لقاءات جديدة قد تجمع الطرفين غدًا، مشيرًا إلى أن المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موجودان للمشاركة في هذه المحادثات.
وتعكس تصريحات فانس رغبة الإدارة الأمريكية في إبقاء باب التفاؤل مفتوحًا، رغم التعقيدات المرتبطة بجبهة لبنان والتأخير الذي أصاب جدول المحادثات خلال الأيام الماضية.

ويتكوف وكوشنر في سويسرا
بحسب تقارير أمريكية، وصل المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى سويسرا للمشاركة في معالجة الجوانب الفنية للمفاوضات.
وتشير هذه الخطوة إلى أن واشنطن تتعامل مع المحادثات بوصفها مسارًا مهمًا لا ينبغي خسارته، خاصة أن الاتفاق مع إيران يمثل أحد أبرز الرهانات الدبلوماسية للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط.
أما مشاركة كوشنر تحديدًا فتضيف بُعدًا سياسيًا إلى المشهد، بالنظر إلى ارتباطه السابق بملفات الشرق الأوسط خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب.
هل يسافر فانس إلى سويسرا؟
أفادت تقارير أمريكية بأن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد يغادر إلى سويسرا للمشاركة في المفاوضات، لكن موعد سفره لم يكن محسومًا بشكل نهائي.
وقال فانس إن المحادثات ستتحدد فور وصول كبار المسؤولين من الحكومة الإيرانية، إضافة إلى ممثلين عن قطر وباكستان، لافتًا إلى أن انطلاق الجولة قد يحدث اعتبارًا من الغد، مع التأكيد أن مثل هذه المواعيد تبقى عرضة للتغيير.
وهذا يعني أن واشنطن تتحرك على مسارين: مسار فني يقوده ويتكوف وكوشنر، ومسار سياسي قد ينضم إليه فانس إذا اكتملت الترتيبات وحضر الوفد الإيراني بالمستوى المطلوب.
سويسرا تؤكد توفير بيئة آمنة وسرية
من جانبها، أكدت وزارة الخارجية السويسرية أن جهودها مستمرة لتوفير بيئة آمنة وسرية تتيح مواصلة المحادثات في منتجع بورغنستوك.
وأشارت إلى أن دبلوماسيين من عدة دول يواصلون العمل للحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، ودعم تنفيذ مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.
وتبدو سويسرا حريصة على عدم الكشف عن تفاصيل المشاركين أو مضمون المحادثات، في محاولة لحماية المسار التفاوضي من الضغوط الإعلامية والتسريبات التي قد تؤثر على فرص نجاحه.
لبنان يهدد طاولة التفاوض
رغم أجواء التفاؤل الحذر، يبقى الملف اللبناني هو العامل الأكثر تهديدًا للمحادثات.
فاستمرار القتال بين إسرائيل وحزب الله قد يؤدي إلى تفجير المسار السياسي، خصوصًا أن إيران تعتبر وقف الاعتداءات على لبنان بندًا جوهريًا في مذكرة التفاهم.
وفي حال فشلت الولايات المتحدة في تقديم ضمانات واضحة بشأن هذا الملف، فقد تتحول محادثات بورغنستوك من فرصة لإنقاذ الاتفاق إلى ساحة جديدة لتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران.
مضيق هرمز خارج دائرة الإغلاق حتى الآن
وفي ملف بالغ الحساسية، أكد فانس عدم وجود أي مؤشرات على إغلاق مضيق هرمز، في محاولة لطمأنة الأسواق الدولية واحتواء المخاوف من تحول الأزمة السياسية إلى صدمة اقتصادية عالمية.
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي تهديد بإغلاقه قد يرفع أسعار النفط ويزيد الضغوط على الاقتصادات الكبرى.
لذلك، تحرص واشنطن على فصل مسار التفاوض عن أي تصعيد قد يمس الملاحة أو إمدادات الطاقة، بينما تستخدم طهران هذا الملف كورقة ضغط استراتيجية في لحظات التوتر.
هل تنجح جولة بورغنستوك؟
نجاح المحادثات المرتقبة في سويسرا يتوقف على عدة عوامل، أبرزها قدرة واشنطن على تقديم إجابات واضحة بشأن تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وخصوصًا ما يتعلق بوقف التصعيد في لبنان.
كما يتوقف النجاح على استعداد إيران للاستمرار في المسار التفاوضي، وعدم تحويل الخلاف حول لبنان إلى سبب لتعليق الحوار بالكامل.
السيناريو الأول: تثبيت التفاهم
إذا نجحت الجولة في وضع آلية تنفيذ واضحة لمذكرة التفاهم، فقد تكون ممباحثات سويسرا خطوة مهمة نحو تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام تفاهمات أوسع بين واشنطن وطهران.
السيناريو الثاني: استمرار التفاوض دون اختراق
قد تنتهي الجولة إلى استمرار الحوار دون نتائج حاسمة، مع إبقاء القنوات مفتوحة وانتظار تطورات الجبهة اللبنانية.
السيناريو الثالث: تعثر جديد
أما السيناريو الأخطر فهو أن تفشل الجولة بسبب الخلاف حول لبنان، ما قد يعيد الاتفاق إلى نقطة الخطر، ويفتح الباب أمام تصعيد سياسي وربما عسكري في أكثر من ساحة.
اختبار حقيقي لمستقبل مذكرة التفاهم
ممباحثات سويسرا لم تعد مجرد لقاء فني بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل مذكرة التفاهم، وقدرة واشنطن على ضبط مسار التهدئة في المنطقة.
فإيران تذهب إلى بورغنستوك وهي تحمل ملف لبنان في صدارة أولوياتها، وواشنطن تتحرك عبر مبعوثيها لمحاولة إنقاذ المسار، بينما تواصل سويسرا وقطر وباكستان لعب دور الوساطة لمنع انهيار قنوات الحوار.
تحويل مذكرة التفاهم إلى خطوات عملية
بين بورغنستوك ولبنان ومضيق هرمز، تقف المنطقة أمام لحظة دقيقة. فإما أن تنجح الدبلوماسية في تحويل مذكرة التفاهم إلى خطوات عملية، أو تتحول الخلافات حول تنفيذ البنود إلى أزمة جديدة تعيد واشنطن وطهران إلى مربع التصعيد.
والساعات المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت محادثات سويسرا ستكون بداية انفراجة، أم مجرد محطة مؤجلة في طريق طويل من الشكوك والضغوط المتبادلة.


