بينمافي الوقت الذي كانت الأنظار لا تزال معلّقة على تداعيات التصعيد الأمريكي في دول الكاريبي ونصف الكرة الغربي، عادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند لتفتح جبهة توتر جديدة داخل المعسكر الغربي نفسه. فالدعوة المتكررة لضم الجزيرة—أو التعامل معها كـ“ضرورة أمن قومي”—لم تعد مجرد مناورة إعلامية، بل تحولت إلى أزمة سياسية تتقاطع فيها السيادة، والردع، وميثاق الأمم المتحدة، ووحدة الناتو، في لحظة دولية شديدة الحساسية.
وإذا كانت الكاريبي تمثل في الوعي الأمريكي التقليدي “ساحة نفوذ” تاريخية، فإن غرينلاند تمثل في الحسابات الجديدة قلب القطب الشمالي: موقعًا يتحكم في طرق الملاحة المتغيرة بفعل المناخ، وبوابةً لمعادلات الطاقة والمعادن، ونقطة ارتكاز عسكرية واستخباراتية—تملك واشنطن فيها أصلًا وجودًا عسكريًا منظمًا باتفاقيات قديمة. ومن هنا، تبدو الأزمة وكأنها امتحان مزدوج: هل يمكن للولايات المتحدة أن ترفع سقف خطابها إلى حد يمس حدود دولة حليفة؟ وهل يستطيع الأوروبيون حماية “قواعد اللعبة” دون الانزلاق إلى قطيعة داخل الناتو؟
بيان أوروبي مشترك: غرينلاند “ملك لشعبها” وحدود لا يجوز المساس بها
ردّت سبع دول أوروبية—ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا والدنمارك—ببيان مشترك شدّد على أن أمن القطب الشمالي وغرينلاند أولوية أوروبية قصوى، لكنه ربط ذلك بوضوح بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها السيادة وسلامة الأراضي وحرمة الحدود.
البيان لم يكتفِ بالرمزية السياسية؛ بل وضع صياغة قانونية-سيادية مباشرة:
“غرينلاند ملك لشعبها… وقرار القضايا التي تخص الدنمارك وغرينلاند يعود حصريًا للدنمارك وغرينلاند.”
وبهذه اللغة، حاول الأوروبيون إغلاق الباب أمام أي تفسير يبرر منطق “الضم” أو “الاستحواذ”، حتى لو جاء تحت عنوان الأمن أو المنافسة مع روسيا والصين.
لماذا غرينلاند الآن؟ موقع استراتيجي وموارد ومعادلة قطبية تتغير
1) القطب الشمالي يتحول إلى ساحة تنافس
تزايد أهمية القطب الشمالي يرتبط بواقعين:
-
ذوبان الجليد يفتح مسارات ملاحة جديدة ويزيد النشاط البحري.
-
المعادن النادرة والطاقة ترفع القيمة الجيو-اقتصادية للمنطقة
2) حجة ترامب: “نفوذ روسي وصيني”
ترامب كرر أمام الصحفيين أن بلاده “تحتاج” إلى غرينلاند، وأشار إلى مزاعم تتعلق بوجود أو نشاط روسي وصيني حول الجزيرة، معتبرًا ذلك سببًا مباشرًا لـ“ضرورة” أمريكية.
3) غرينلاند ليست فراغًا سياسيًا
غرينلاند تابعة لمملكة الدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي، وتملك مسارًا سياسيًا خاصًا في ملف الاستقلال عبر ترتيبات الحكم الذاتي الحديثة.
اتفاق 1951: واشنطن تملك قواعد… فلماذا الأزمة إذن؟

صورة لقاعدة/منشأة أمريكية في غرينلاند
واحدة من المفارقات التي أشار إليها البيان الأوروبي أن الولايات المتحدة لا تبدأ من الصفر في غرينلاند؛ إذ يوجد إطار تاريخي للتواجد العسكري الأمريكي عبر اتفاق دفاعي بين واشنطن وكوبنهاغن يعود إلى 1951، يتيح إنشاء قواعد وتحريك قوات، ضمن ترتيبات محددة تشمل التنسيق والإخطار.
وهنا يبرز السؤال المركزي الذي يتداوله كثيرون في أوروبا:
إذا كانت واشنطن تمتلك أصلًا وجودًا عسكريًا وقاعدة/منشأة استراتيجية في غرينلاند، فلماذا يتحول الأمر إلى خطاب “ضم”؟
الإجابة الأقرب للمنطق السياسي ليست عسكرية بقدر ما هي رسالة قوة: نقل النقاش من “تعاون دفاعي” إلى “سيادة وملكية”، وهو انتقال يضع أوروبا أمام اختبار مباشر لقدرتها على حماية المفهوم الأوروبي التقليدي للحدود.
أوروبا بين “التعاون” و”التحذير”: الناتو على المحك
البيان الأوروبي حرص على توصيف الولايات المتحدة بأنها شريك مهم في ضمان أمن القطب الشمالي، لكنه في الوقت نفسه وضع خطوطًا فاصلة تمنع تحويل الشراكة إلى “تفويض مفتوح”.
وفي الخلفية، ظهرت تحذيرات دنماركية من أن أي نهج عدائي تجاه دولة عضو في الناتو قد يهدد تماسك الحلف نفسه—وهو ما يعكس حجم القلق من أن تتحول الأزمة إلى شرخ داخل المنظومة الأمنية الغربية بدل أن تبقى خلافًا سياسيًا عابرًا.
من أوروبا إلى الكاريبي: خطاب النفوذ يعود بقوة
التوتر لا يقف عند غرينلاند. في الكاريبي، تزايد الحديث الأمريكي عن “مجال نفوذ” في نصف الكرة الغربي بعد تطورات فنزويلا، ما أعاد إلى الواجهة فلسفة سياسية قديمة في واشنطن ترتبط بفكرة أن القارة الأمريكية مجال مغلق أمام المنافسين. (هذه النقطة تحتاج دائمًا إلى تدقيق المصادر لأنها تتغير بسرعة بحسب التصريحات الرسمية اليومية، لكن المؤكد أن تغطيات غربية ربطت بين تصعيد فنزويلا وعودة خطاب السيطرة والنفوذ).
ومن هنا، يقرأ مراقبون أوروبا أزمة غرينلاند باعتبارها ليست “جزيرة” فقط، بل جزء من سلوك سياسي أوسع: رفع سقف الخطاب الأمريكي تجاه مناطق استراتيجية، سواء في القطب أو الكاريبي، بما يضع الحلفاء أمام سؤال صعب:
هل الأمن يُبنى بالتوافق… أم بالإملاء؟

صورة جوية لمنشأة/مدرج عسكري في غرينلاند – سياق الوجود الدفاعي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة: ماذا يمكن أن يحدث؟
السيناريو الأول: احتواء دبلوماسي داخل الناتو
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا إذا تحولت التصريحات إلى ضغط تفاوضي لتحصيل مكاسب:
-
توسيع التسهيلات العسكرية
-
اتفاقات موارد ومعادن
-
ترتيبات أمنية أشد في القطب الشمالي
مع الحفاظ على مبدأ السيادة رسميًا.
السيناريو الثاني: تصعيد سياسي يحرج أوروبا
إذا استمرت التصريحات على نحو يمس “الضم” أو “نزع السيادة”، فستجد أوروبا نفسها مضطرة لإجراءات سياسية أكثر صلابة:
-
بيانات أشد لهجة
-
تحركات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي
-
ضغط داخل الناتو لحماية وحدة الموقف.
السيناريو الثالث: توظيف الأزمة داخليًا في أوروبا
الأزمة قد تُستخدم داخل دول أوروبية لتعزيز خطاب الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن، خصوصًا إذا تكررت الأزمات التي تمس حلفاء بشكل مباشر.
ما الذي يعنيه ذلك للعرب؟
قد يبدو الملف بعيدًا جغرافيًا، لكنه شديد الصلة سياسيًا. فحين تتعرض مفاهيم السيادة وحرمة الحدود لاختبار داخل الحلف الغربي، تتغير قواعد الخطاب الدولي التي تُستخدم أيضًا في ملفات الشرق الأوسط. كما أن اضطراب القطب الشمالي ومسارات الملاحة الجديدة ينعكس على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والتجارة العالمية—وهي عوامل تصل ارتداداتها سريعًا إلى أسواق المنطقة.
عنيمة ترامب الاستراتيجية
أوروبا تقول بوضوح: الأمن في القطب الشمالي أولوية، والولايات المتحدة شريك مهم، لكن غرينلاند ليست “غنيمة استراتيجية”. وترامب، في المقابل، يرفع سقف الخطاب إلى مستوى يخلق توترًا غير مسبوق بين الحلفاء، خصوصًا مع تزامن ذلك مع تصعيد في الكاريبي وعودة لغة النفوذ.
في النهاية، قد لا تكون غرينلاند هي “القصة”، بل القاعدة التي تُكتب من جديد: هل سيبقى ميثاق الأمم المتحدة هو المرجعية الفعلية لحدود العالم… أم ستعود السياسة الدولية إلى منطق المناطق والنفوذ والصفقات؟
.


