أعلن الجيش الأمريكي عن إطلاق مهمة جديدة في الأراضي السورية، تهدف إلى نقل عدد من سجناء تنظيم «داعش» من مراكز احتجاز شمال شرقي سوريا إلى الأراضي العراقية، في خطوة تعكس حجم التعقيد الأمني والسياسي الذي بات يحيط بالملف السوري، بعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة.
العملية، التي وُصفت بأنها أمنية بالغة الحساسية، لا يمكن فصلها عن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، ولا عن المخاوف المتزايدة من عودة نشاط تنظيم داعش في مناطق تشهد فراغًا أمنيًا وتصدعات سياسية عميقة.
لماذا الآن؟ توقيت يحمل دلالات خطيرة
يأتي الإعلان عن هذه المهمة في لحظة دقيقة تمر بها سوريا، حيث:
-
لا يزال الشرق السوري يعاني هشاشة أمنية
-
تتزايد الضغوط على قوات سوريا الديمقراطية
-
تتصاعد التحذيرات من محاولات فرار جماعي لعناصر داعش
-
تتغير خرائط النفوذ الإقليمي والدولي على الأرض
وتُعد السجون والمخيمات التي تضم آلاف المقاتلين وعائلاتهم، أبرزها مخيم الهول، أحد أخطر الملفات المفتوحة في سوريا، حيث تصفها تقارير غربية بأنها «قنابل موقوتة» قابلة للانفجار في أي لحظة.
نقل السجناء إلى العراق… حل أمني أم ترحيل للأزمة؟
بحسب مصادر مطلعة، ترى واشنطن أن نقل بعض السجناء إلى العراق قد يكون خيارًا عمليًا للأسباب التالية:
-
العراق يمتلك أطرًا قانونية لمحاكمة عناصر داعش
-
وجود خبرة أمنية سابقة في التعامل مع التنظيم
-
تخفيف العبء عن القوات الحليفة لواشنطن في سوريا
لكن في المقابل، يطرح هذا الخيار تساؤلات خطيرة:
-
هل يملك العراق القدرة على استيعاب هذا العبء الأمني الجديد؟
-
هل يتحول النقل إلى مجرد إعادة تدوير للأزمة بدل حلها؟
-
ما مصير آلاف المحتجزين الآخرين الذين لم تشملهم العملية؟
-

الخلفية السورية: أرض مفتوحة لكل الاحتمالات
منذ إعلان هزيمة «داعش» عسكريًا عام 2019، لم تنجح القوى الدولية في صياغة استراتيجية نهائية للتعامل مع إرث التنظيم.
ففي سوريا:
-
لا توجد دولة مركزية قادرة على إدارة الملف
-
تتعدد مناطق النفوذ بين قوى محلية ودولية
-
تستمر الضربات الجوية والعمليات الخاصة دون حل جذري
وتحذّر تقارير استخباراتية من أن التنظيم لم يُهزم فكريًا أو تنظيميًا بالكامل، بل أعاد التموضع في البادية السورية والمناطق الحدودية، مستفيدًا من الفوضى والانقسامات.
الحسابات الأمريكية: تقليص الوجود أم إعادة التموضع؟
يرى مراقبون أن المهمة الجديدة قد تكون جزءًا من:
-
إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في سوريا
-
تقليص الاحتكاك المباشر مع ملف السجون
-
نقل العبء الأمني تدريجيًا إلى أطراف إقليمية
لكن واشنطن، في الوقت نفسه، لا تريد أن تُتهم بالتخلي عن ملف «داعش»، لما يحمله من مخاطر على أمن المنطقة والعالم.
العراق في الواجهة مجددًا
بالنسبة للعراق، فإن استعادة ملف سجناء داعش تمثل:
-
اختبارًا أمنيًا جديدًا
-
ضغطًا سياسيًا داخليًا
-
تحديًا قانونيًا وإنسانيًا
ورغم أن بغداد سبق أن حاكمت وأعدمت مئات من عناصر التنظيم، إلا أن نقل أعداد جديدة من سوريا قد يفتح بابًا واسعًا للجدل الداخلي، خاصة في ظل أوضاع سياسية وأمنية لا تزال غير مستقرة بالكامل.
سيناريوهات مفتوحة
في ضوء هذه التطورات، تبدو المنطقة أمام عدة سيناريوهات محتملة:
-
نجاح محدود في تقليص خطر السجون داخل سوريا
-
تصاعد التوتر داخل العراق نتيجة العبء الأمني
-
عودة نشاط داعش إذا فشلت الإجراءات الأمنية
-
استمرار الحلول المؤقتة دون معالجة جذرية للملف
وهو ما يعكس حقيقة واحدة: أن ملف «داعش» لم يُغلق بعد، بل انتقل من ساحة إلى أخرى.
حلقة جديدة في سلسلة إدارة الأزمات بدل حلها.
إطلاق مهمة نقل سجناء داعش من سوريا إلى العراق ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة إدارة الأزمات بدل حلها.
ففي غياب تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية، سيظل التنظيم – بأشكال مختلفة – حاضرًا في الحسابات الأمنية، وستبقى المنطقة تدفع ثمن سنوات طويلة من الصراع المفتوح.


