الخميس، ٢١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٥١ م

«عطر ترامب» يصل إلى الشرع.. من لقب الجولاني إلى زجاجة فيكتوري تهز السياسة السورية

نشر الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقًا بلقبه القديم أبو محمد الجولاني، صورة لهدية قال إنه تلقاها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: عبوتين من عطر Trump Victory، واحدة حمراء وأخرى سوداء، ومعهما رسالة شخصية موقعة تحمل طابع البيت الأبيض. هكذا انتقلت العلاقة بين الرجلين من لغة القوائم السوداء والعداء الأمني إلى لغة “العطر” و”الأثر” وابتسامات البروتوكول، في لقطة بدت للبعض كوميدية، ولآخرين أخطر من مجرد هدية؛ لأنها تختصر انقلابًا كاملًا في خرائط السياسة السورية والعلاقات الأمريكية الجديدة مع دمشق.

الهدية التي أشعلت إكس

القصة بدأت حين نشر أحمد الشرع صورة الهدية عبر منصة “إكس”، وعلّق عليها بالإنجليزية بما معناه أن بعض اللقاءات تترك أثرًا، لكن لقاءه مع ترامب “ترك عطرًا”، شاكرًا الرئيس الأمريكي على كرمه والهدية الخاصة، ومعربًا عن أمله في استمرار روح اللقاء لتعزيز العلاقات السورية الأمريكية. ووفق تقارير عربية، ظهرت في الصورة عبوتين من عطر “Trump Victory”، يتوسطهما خطاب يحمل ختم البيت الأبيض وتوقيع ترامب.

ولم تكن الرسالة المرفقة عادية؛ إذ كتب ترامب للشرع أن الجميع يتحدث عن الصورة التي جمعتهما عندما أهداه العطر سابقًا، مضيفًا أنه يرسل له المزيد “تحسبًا لأن يكون قد نفد منه”، في عبارة حولت المشهد إلى مادة دسمة للسخرية والتحليل السياسي معًا.

من واشنطن إلى دمشق.. عطر لا يشبه الهدايا الدبلوماسية

الهدايا بين الرؤساء عادة تكون ساعات، ميداليات، مخطوطات، قطعًا فنية أو رموزًا تراثية. لكن أن يرسل رئيس أمريكي عطرًا يحمل علامته الخاصة إلى رئيس سوريا الجديد، فهذه لقطة سياسية غير مألوفة، وربما مقصودة في غرابتها.

التقارير الأمريكية وصفت الهدية بأنها “إعادة تزويد” أو “زجاجات إضافية” من عطر ترامب، بعد لقاء سابق في البيت الأبيض ظهر فيه ترامب وهو يرش العطر بنفسه خلال تبادل الهدايا مع الشرع. وقالت مجلة People إن ترامب أرسل زجاجتي إضافيتين من عطره الشخصي إلى الشرع، في لفتة دبلوماسية غير تقليدية أثارت اهتمام الإعلام الغربي.

الفيديو القديم يعود للواجهة

مع نشر صورة الهدية، عاد إلى الواجهة مقطع الفيديو الذي انتشر قبل أشهر خلال لقاء ترامب والجولاني في البيت الأبيض، حيث ظهر ترامب وهو يقدم العطر ويرشه بطريقة استعراضية، قائلًا إنه “عطر رجالي” و”أفضل عطر”، بينما كانت الأجواء بين الطرفين أقرب إلى المزاح الشخصي منها إلى البروتوكول الرسمي الصارم. وتناولت تقارير أمريكية اللقاء باعتباره جزءًا من أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ استقلال سوريا عام 1946.

هذه اللقطة تحديدًا هي التي صنعت المفارقة: رجل كان اسمه مرتبطًا لسنوات بتنظيمات مسلحة وصراعات إقليمية، يقف في البيت الأبيض بينما يرش عليه ترامب عطرًا يحمل اسمه التجاري

التحول الأكبر.. من أبو محمد الجولاني إلى أحمد الشرع

لا يمكن قراءة تدوينة العطر بعيدًا عن التحول الأضخم في شخصية أحمد الشرع السياسية. فالرجل الذي عرفته المنطقة باسم أبو محمد الجولاني، وكان قائدًا لهيئة تحرير الشام وسبق ارتباطه بجبهة النصرة، أعاد تقديم نفسه بعد سقوط نظام بشار الأسد باعتباره رجل دولة براغماتيًا يقود مرحلة انتقالية في سوريا.

وسائل إعلام أمريكية ذكّرت بأن الشرع كان في السابق على قوائم الإرهاب الأمريكية، وأن واشنطن رصدت مكافأة كبيرة مقابل معلومات عنه، قبل أن تتغير المعادلة السياسية بعد صعوده إلى الحكم وسعيه إلى بناء علاقة جديدة مع الولايات المتحدة.

وهنا تصبح زجاجة العطر ليست مجرد هدية؛ بل رمزًا شديد الكثافة لتحول رجل، وتحول نظام، وتحول خطاب كامل من “المواجهة” إلى “الشرعية الدولية”.

ترامب والجولاني.. دبلوماسية العطر بدل بيانات النار

ترامب معروف بأسلوبه غير التقليدي في السياسة. يخلط بين الاستعراض الشخصي والصفقات والرمزية التجارية، ولا يرى حرجًا في تحويل لحظة دبلوماسية إلى مشهد قابل للانتشار. لذلك بدا عطر “Trump Victory” امتدادًا طبيعيًا لطريقة ترامب في صناعة الصورة: هدية تحمل اسمه، ورسالة شخصية، ولقطة تصلح للترند.

لكن بالنسبة للشرع، تبدو المسألة أكثر حساسية. فقبول الهدية ونشرها علنًا يعكس رغبة واضحة في إظهار دفء العلاقة مع واشنطن، وكأن دمشق الجديدة تقول للعالم: نحن لم نعد في خانة العزل، بل نتبادل الهدايا مع البيت الأبيض.

سخرية على المنصات.. وغضب مكتوم في السياسة

لم تمر التدوينة بهدوء. فقد أثارت موجة من السخرية على مواقع التواصل، خصوصًا بسبب غرابة الهدية وتاريخ الطرفين. ووصفت بعض التقارير الغربية المنشور بأنه “محرج” أو “غريب”، بينما رأى آخرون أن السخرية تخفي خلفها حقيقة سياسية أكبر: واشنطن تتعامل الآن مع الشرع كعنوان جديد لسوريا، مهما كان ماضيه مثيرًا للجدل.

أما في المنطقة، فالصورة قد تُقرأ بعيون مختلفة: خصوم الشرع سيعتبرونها دليلًا على ارتماء كامل في الحضن الأمريكي، بينما أنصاره قد يرونها اعترافًا سياسيًا طال انتظاره وفتحًا لباب إعادة الإعمار ورفع العزلة.

ماذا يريد ترامب من هذه الهدية؟

الهدية قد تبدو طريفة، لكنها تحمل أكثر من رسالة. أولًا، ترامب يكرس علاقة شخصية مباشرة مع الشرع، وهي طريقة مفضلة لديه في إدارة الملفات الخارجية. ثانيًا، يستخدم علامته الخاصة في لحظة رسمية، بما يخلط بين صورة الرئيس ورجل الأعمال. ثالثًا، يبعث برسالة أن سوريا الجديدة يمكن أن تكون جزءًا من ترتيبات أمريكية أوسع في الشرق الأوسط، خصوصًا في ملفات الأمن ومكافحة تنظيم داعش وإعادة ضبط التوازنات الإقليمية.

تقول تقارير أمريكية إن لقاء واشنطن السابق جاء ضمن مسار انفتاح على دمشق الجديدة، شمل خطوات تتعلق بالعقوبات والتعاون الأمني وإعادة فتح قنوات دبلوماسية.

وماذا يريد الشرع من نشر الصورة؟

نشر الصورة على منصة إكس ليس تفصيلًا عفويًا. الشرع كان يستطيع الاحتفاظ بالهدية في الكواليس، لكنه اختار إعلانها. وهذا يعني أن الرسالة ليست موجهة لترامب وحده، بل للداخل السوري، وللعالم العربي، وللعواصم الغربية.

يريد أن يقول إن العزلة انتهت، وإن الرجل الذي كان مطاردًا أصبح يستقبل هدايا من الرئيس الأمريكي، وإن دمشق الجديدة تستطيع الجلوس على الطاولة الكبرى لا من موقع المتهم، بل من موقع الشريك المحتمل.

الشرع يتفاخر بهدية ترامب

قصة “عطر ترامب” ليست قصة زجاجتي فاخرتين ولا رسالة مجاملة بين رئيسين. إنها مشهد مكثف لتحول سياسي غير مسبوق: أحمد الشرع الذي عُرف يومًا بأبو محمد الجولاني، يتلقى هدية شخصية من رئيس الولايات المتحدة، وينشرها بفخر على منصة إكس.

قد يضحك البعض من غرابة الصورة، وقد يسخر آخرون من عبارة “لقاؤنا ترك عطرًا”، لكن خلف هذا العطر رائحة سياسة ثقيلة: واشنطن تعيد ترتيب علاقتها بدمشق، والجولاني يعيد تسويق نفسه دوليًا، وترامب يحول الدبلوماسية إلى مشهد استعراضي يحمل توقيعه ورائحته.

وفي النهاية، تبقى المفارقة الأشد: في الشرق الأوسط الجديد، قد لا تبدأ التحالفات ببيان عسكري أو اتفاقية أمنية، بل بزجاجة عطر حمراء وأخرى سوداء، وكارت صغير يحمل شعار البيت الأبيض.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.