الجمعة، ٨ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٠٧ م

ضربني وبكى وسبقني واشتكى.. مفاجأة مدوية في فيديو «إطلاق النار» على صاحب أرض بالإسماعيلية

 

الكذب ليس له رجلين -هكذا يقول المثل المصري القديم غعندما تكذب فأن ذلك مصيرة الفشل وان الحقيقة اقوي ومصيرها ان تظهر و في واقعة تكشف كيف يمكن لمقطع فيديو واحد أن يقلب المشهد رأسًا على عقب، خرج أحد الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي صارخًا بالاستغاثة، متهمًا مجموعة من الأشخاص بالاستيلاء على أرضه الزراعية في محافظة الإسماعيلية، تحت تهديد السلاح، بل وزعم أنهم أطلقوا الأعيرة النارية في وجهه، بينما اتهم الأجهزة الأمنية بعدم الاستجابة. لكن، وكما يقول المثل الشعبي الشهير: "ضربني وبكى وسبقني واشتكى"، جاءت تحريات وزارة الداخلية لتكشف قصة مختلفة تمامًا، بل تحمل مفاجآت مدوية تقلب رواية صاحب الفيديو رأسًا على عقب.

وفي السطور التالية، تستعرض بوابة الصباح اليوم القصة الكاملة وراء واقعة فيديو "إطلاق النار" على صاحب أرض في الإسماعيلية، وكيف تحولت رواية الاستغاثة إلى قضية بلاغ كاذب وإساءة استخدام لمواقع التواصل الاجتماعي.

بداية القصة.. فيديو استغاثة يشعل مواقع التواصل

بدأت الواقعة مع تداول مقطع فيديو على نطاق واسع عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر فيه أحد الأشخاص وهو يزعم أن مجموعة من الأشخاص استولت على أرضه الزراعية بمحافظة الإسماعيلية، وأنهم هددوه بالسلاح وأطلقوا الأعيرة النارية، كما اتهم رجال الأمن بعدم الاستجابة لاستغاثاته.

الفيديو أثار تفاعلًا واسعًا بين المتابعين، خاصة مع حساسية الاتهامات الواردة فيه، والتي تضمنت الحديث عن البلطجة والاستيلاء بالقوة على أرض زراعية، فضلًا عن إطلاق النار، وهي اتهامات كفيلة بإشعال الرأي العام خلال ساعات قليلة.

لكن الأجهزة الأمنية لم تتعامل مع الفيديو بوصفه مجرد منشور عابر، بل بدأت على الفور في فحصه وتحري حقيقة ما ورد به، لتبدأ خيوط القصة الحقيقية في الظهور.

الفحص الأمني يكشف رواية مغايرة تمامًا

بحسب ما أعلنته الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية، فقد أسفر الفحص والتحري عن أن ما جرى تداوله لا يعكس الحقيقة الكاملة، بل يخفي وراءه نزاعًا قديمًا وتشابكات قانونية وميراثية ومالية.

وتبين أن الواقعة بدأت في الأصل ببلاغ رسمي ورد إلى مركز شرطة أبوصوير من محامٍ عن والد صاحب الفيديو، اتهم فيه مقاولًا وأحد المستأجرين بالتعدي على الحد الفاصل للأرض محل الخلاف، وإتلاف بعض المزروعات.

وهنا ظهرت أولى المفاجآت: فالقصة لم تبدأ بإطلاق نار أو استغاثة عاجلة كما حاول صاحب الفيديو تصويرها، بل بدأت بخلاف رسمي على حدود أرض زراعية، سبق أن دخل بالفعل في المسار القانوني.

صراع ميراث قديم وقرار تمكين رسمي

عندما واجهت قوات الأمن الطرف الثاني في النزاع، وهو المقاول، كشف أمام رجال المباحث تفاصيل مغايرة ومثيرة، مؤكدًا أن الأرض محل الخلاف آلت إليه بالميراث منذ عام 2001، وأن هناك نزاعًا قديمًا بينه وبين الشاكي حول ملكية جزء منها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أوضح المقاول أنه حصل على قرار رسمي بالتمكين من الأرض في أكتوبر الماضي، وهو ما يمنحه سندًا قانونيًا في مباشرة الانتفاع بها.

كما اتهم الشاكي ونجله بالاعتياد على التعدي عليه، مشيرًا إلى أن الأشخاص الذين ظهروا في الفيديو ليسوا "بلطجية" كما تم الترويج، وإنما مستأجرون كانوا يباشرون أعمال الزراعة داخل الأرض، وأن صاحب الفيديو حاول التحرش بهم، فمنعوه من ذلك.

هذا التحول في الرواية جعل المشهد أكثر تعقيدًا، وكشف أن القضية ليست هجومًا مسلحًا عابرًا، بل صراعًا ممتدًا بين أطراف متنازعة، تحاول كل جهة فيه تثبيت روايتها.

سقوط رواية «إطلاق النار».. واعترافات صادمة

المفاجأة الأكبر جاءت بعد ضبط القائم على نشر الفيديو، حيث تبين أنه يعمل سائقًا، وله معلومات جنائية مسجلة.

وبمواجهته بنتائج التحريات، انهار واعترف بالحقيقة، مؤكدًا أن بينه وبين المقاول خلافات مالية، وأنه اختلق كذبًا رواية إطلاق النار والتعدي بالسلاح، فقط "نكاية في خصمه"، ولإثارة الرأي العام ضده والضغط عليه.

هذا الاعتراف لم يكشف فقط زيف الرواية المتداولة، بل أظهر أيضًا كيف يمكن توظيف المنصات الرقمية في تصفية الحسابات الشخصية، عبر نشر معلومات مضللة واستدعاء تعاطف الناس من خلال حبكة درامية غير حقيقية.

مفاجأة جديدة.. الأمن استجاب فعلًا لكنه اختبأ

ولأن صاحب الفيديو بنى جزءًا كبيرًا من روايته على اتهام الأجهزة الأمنية بعدم الاستجابة، كان لا بد من فحص هذه الجزئية بدقة.

وكشفت التحقيقات أن الأجهزة الأمنية انتقلت بالفعل فور تلقي بلاغه عبر شرطة النجدة، أي أن رواية "عدم الاستجابة" لم تكن صحيحة بدورها.

لكن المفاجأة اللافتة أن صاحب الفيديو نفسه هو من رفض مقابلة القوات الأمنية واختبأ منهم، لسبب صادم، إذ تبين أنه كان يخشى القبض عليه بسبب صدور حكم قضائي ضده بالحبس في إحدى القضايا.

وهنا انهارت الرواية بالكامل، إذ اتضح أن من ادعى تجاهل الأمن لاستغاثته، كان في الحقيقة يتوارى عنهم عمدًا، ثم قرر بعد ذلك أن يصوغ رواية "هوليودية" كما وصفتها التحريات، ليظهر في صورة الضحية أمام المتابعين.

من الاستغاثة إلى الاتهام.. كيف انقلب المشهد؟

القضية في ظاهرها بدت كواحدة من الوقائع الصادمة التي تستفز المشاعر: رجل يستغيث، وأرض تُغتصب بالقوة، وسلاح يُشهر في وجه القانون. لكن الحقيقة، كما كشفتها تحريات وزارة الداخلية، كانت أبعد ما تكون عن هذا السيناريو.

فما حدث في النهاية كان أقرب إلى استخدام متعمد لمنصات التواصل الاجتماعي لتشويه الخصوم وتضليل المتابعين، مستغلًا الحساسية الشعبية تجاه قضايا الأرض والسلاح و"البلطجة".

واللافت أن هذه الواقعة تقدم نموذجًا صريحًا لخطورة الاعتماد على رواية طرف واحد في النزاعات المعقدة، خاصة حين يتم عرضها في شكل فيديو عاطفي أو استغاثة مصورة، دون انتظار التحقيقات الرسمية.

الإجراءات القانونية.. والنيابة تبدأ التحقيق

عقب انكشاف حقيقة الواقعة، تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال القائم على النشر، وذلك بتهمتي البلاغ الكاذب وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

كما تم إخطار النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، تمهيدًا لاتخاذ ما يلزم من قرارات قانونية في ضوء ما أسفرت عنه التحريات والاعترافات.

ويؤكد هذا التحرك أن القانون لا يتعامل فقط مع الجرائم التقليدية، بل يمتد أيضًا إلى الممارسات التي تستهدف تضليل الرأي العام أو استغلال الفضاء الإلكتروني في تصفية الحسابات أو تلفيق الوقائع.

ماذا تكشف هذه الواقعة؟

تكشف هذه القصة بوضوح أن مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أهميتها في نقل الوقائع وتسليط الضوء على المظالم الحقيقية، يمكن أن تتحول أيضًا إلى أداة خطيرة إذا استُخدمت في اختلاق الروايات أو تضليل الجمهور.

كما تؤكد الواقعة أهمية التحريات الدقيقة، وعدم الانسياق وراء المشاهد المثيرة أو الفيديوهات المقتطعة من سياقها، لأن الحقيقة في كثير من الأحيان تكون أكثر تعقيدًا مما يبدو على الشاشة.

وفي الوقت نفسه، فإن سرعة تحرك وزارة الداخلية في فحص الفيديو، وكشف الملابسات، وضبط القائم على النشر، تعكس أهمية التحقق المؤسسي في مواجهة الشائعات والمزاعم المفبركة.

ظهور الحقيقة

قصة فيديو "إطلاق النار" على صاحب أرض في الإسماعيلية بدأت باستغاثة مؤثرة، وانتهت باعترافات صادمة قلبت المشهد بالكامل. وبين الفيديو المتداول والتحقيقات الرسمية، ظهرت الحقيقة بوجه مختلف: نزاع قديم على الأرض، وخلافات مالية، وقرار تمكين رسمي، وبلاغ كاذب، ورواية مفبركة لاستثارة الرأي العام.

وهكذا، أعادت الواقعة التأكيد على أن الحقيقة لا تُبنى على رواية أحادية، ولا على فيديو متداول فقط، بل تحتاج دائمًا إلى فحص وتحقيق وتدقيق. وبينما ظن صاحب الفيديو أنه سبق الجميع إلى الشكوى، جاءت التحريات لتثبت أن المشهد كله لم يكن إلا نسخة جديدة من المثل الشعبي: "ضربني وبكى وسبقني واشتكى".

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.