مصر ووحدة العرب.. لماذا لم يسمع أحد تحذيرات القاهرة؟
منذ عقود طويلة، لم تتوقف مصر عن إطلاق التحذيرات والدعوات إلى بناء منظومة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن القومي العربي. لم تكن هذه الدعوات مجرد خطابات سياسية أو شعارات عاطفية، بل كانت رؤية استراتيجية مبكرة أدركت حجم المخاطر التي يمكن أن تواجه المنطقة إذا بقيت الدول العربية متفرقة بلا قوة مشتركة أو تنسيق عسكري واقتصادي حقيقي.
ففي سبعينيات القرن الماضي، طرح الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات فكرة إنشاء الهيئة العربية للتصنيع كمشروع صناعي دفاعي عربي مشترك، يهدف إلى توطين الصناعات العسكرية في المنطقة وتقليل الاعتماد على الخارج في التسليح. كانت الفكرة في جوهرها بسيطة لكنها عميقة: العرب يحتاجون إلى قوة صناعية وعسكرية مستقلة تحمي أمنهم الجماعي.
لكن هذه الدعوة، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تلقَ في ذلك الوقت الاهتمام الكافي من كثير من الدول العربية. ومع مرور السنوات، بدأت المنطقة تواجه تحديات متزايدة، من الحروب الإقليمية إلى التدخلات الدولية، ما أعاد طرح السؤال القديم: ماذا لو استجاب العرب مبكرًا لهذه الدعوات؟
مصر ورؤية القوة العربية المشتركة
لم تكن مبادرة الهيئة العربية للتصنيع سوى خطوة أولى في رؤية أوسع كانت القاهرة تسعى لترسيخها، وهي فكرة القوة العربية المشتركة أو الجيش العربي الموحد.
هذه الفكرة طُرحت في مناسبات عديدة، خاصة في ظل الأزمات التي شهدتها المنطقة، باعتبارها وسيلة لحماية الدول العربية من التهديدات الخارجية والتدخلات الدولية المتزايدة.
كانت الرؤية المصرية تقوم على مبدأ بسيط:
إذا توحدت القدرات العسكرية العربية، فإن ميزان القوى في المنطقة سيتغير جذريًا.
لكن الواقع السياسي العربي كان أكثر تعقيدًا، حيث اصطدمت هذه الفكرة بحسابات السيادة الوطنية، والخلافات السياسية، واختلاف الأولويات بين الدول.
مصر بين القيادة والمسؤولية
غالبًا ما واجهت هذه المبادرات المصرية اتهامات أو شكوكًا لدى بعض الأطراف، التي رأت أن دعوة القاهرة إلى قوة عربية مشتركة قد تكون محاولة للهيمنة أو القيادة الإقليمية.
غير أن قراءة التاريخ السياسي لمصر تشير إلى أن هذه الدعوات كانت تنطلق أساسًا من إدراك عميق لطبيعة التهديدات التي تحيط بالمنطقة.
فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي، كانت دائمًا في قلب التفاعلات الإقليمية، وتدرك أن ضعف النظام العربي الجماعي يفتح الباب أمام قوى خارجية للتدخل وإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها.
بين مصر وأمريكا وإيران.. معادلة معقدة
اليوم، ومع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة الولايات المتحدة الأمريكية، تبدو المنطقة وكأنها تعيد إنتاج السيناريو ذاته الذي حذرت منه القاهرة قبل عقود:
صراع إقليمي تديره قوى خارجية، بينما تقف الدول العربية في موقع المتفرج أو المتأثر بالنتائج.
في هذا السياق، يصبح الخليج العربي أحد أهم مسارح التنافس الدولي، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والأمن والممرات البحرية. ومع غياب منظومة دفاع عربية موحدة، تعتمد كثير من الدول على تحالفات خارجية لضمان أمنها.
لكن هذه التحالفات، كما أثبتت تجارب كثيرة، تظل مرتبطة بالمصالح المتغيرة للقوى الكبرى، وليست بالضرورة ضمانة دائمة للاستقرار.
مصر ومفهوم الأمن القومي
لطالما نظرت مصر إلى الأمن القومي من منظور أوسع من حدودها الجغرافية.
فالقاهرة تعتبر أن استقرار المنطقة العربية ككل يرتبط بشكل مباشر باستقرارها الداخلي. ولهذا فإن مفهوم الأمن القومي المصري يشمل دوائر متعددة، تبدأ من الحدود الوطنية لكنها تمتد إلى محيطها العربي.
هذا المفهوم يفسر لماذا ظلت مصر تدعو باستمرار إلى تعزيز التعاون العربي، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
فبالنسبة للقاهرة، القوة العربية المشتركة ليست طموحًا سياسيًا بقدر ما هي ضرورة استراتيجية.
هل تغيرت الظروف اليوم؟
قد يرى البعض أن الظروف الحالية في العالم العربي لا تسمح بإحياء فكرة الجيش العربي الموحد، خاصة في ظل التباينات السياسية والاقتصادية بين الدول.
لكن في المقابل، تشير التحولات الجيوسياسية المتسارعة إلى أن المنطقة قد تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مقاربة جماعية للأمن والاستقرار.
فالتحديات التي تواجه العالم العربي اليوم – من النزاعات المسلحة إلى الضغوط الاقتصادية والتنافس الدولي – لا يمكن لدولة واحدة التعامل معها بمفردها.
درس التاريخ
ربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة العربية خلال العقود الماضية هو أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فارغًا.
فعندما لا تمتلك الدول منظومة دفاع أو تعاون مشترك، فإن القوى الخارجية غالبًا ما تملأ هذا الفراغ، وتصبح هي اللاعب الرئيسي في رسم ملامح المشهد الإقليمي.
ولهذا تبدو الدعوات المصرية القديمة إلى بناء قوة عربية مشتركة وكأنها قراءة مبكرة لما تشهده المنطقة اليوم.
تماسك عربي يحمي المنطة من الأطماع
مصر، بتاريخها وجيشها وموقعها، كانت دائمًا جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن العربي.
ورغم اختلاف الآراء حول بعض المبادرات أو السياسات، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن القاهرة ظلت على مدار عقود تدعو إلى تماسك عربي يحمي المنطقة من الانقسامات والتدخلات الخارجية.
ربما لم تجد هذه الدعوات الاستجابة الكافية في الماضي، لكن التطورات الحالية قد تدفع كثيرين إلى إعادة النظر في الفكرة التي طرحتها مصر منذ سنوات طويلة:
أن قوة العرب في وحدتهم، وأن الأمن الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل.


