لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثًا عسكريًا خاطفًا فحسب، بل بدا—بحسب تسريبات وتقارير غربية—ثمرة صفقة معقّدة امتدت أشهرًا، اختلط فيها المال بالاستخبارات والسياسة، وانتهت بما يصفه خصوم مادورو بأنه «تسليم من الداخل» أكثر منه إسقاطًا بالقوة.
فمنذ إعلان دونالد ترامب تنفيذ عملية «الحسم المطلق»، تصاعدت أسئلة مقلقة: لماذا لم تواجه الطائرات الأمريكية مقاومة كثيفة؟ وكيف حيِّدت الدفاعات بهذه السلاسة؟ وهل كان اعتقال رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة نتيجة خيانة داخل الدائرة الضيقة؟
«صفقة من الداخل»… سؤال مشروع بعد ليلة بلا دفاعات
مع بدء العملية فجر السبت، لاحظ مراقبون أن المروحيات الأمريكية حلّقت على ارتفاع منخفض دون أن تُستهدف بنيران كثيفة بعد تحييد الصواريخ، ما غذّى فرضية التواطؤ الداخلي.
صحيفة ديلي ميل نقلت أن نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز عقدت اجتماعات سرية مع مسؤولين أمريكيين في دولة وسيطة خلال الأشهر السابقة للهجوم، وقدّمت نفسها—بحسب التقرير—«بديلاً أكثر قبولًا» من مادورو.
«المادوروية من دون مادورو»
تقرير سابق لصحيفة ميامي هيرالد (أكتوبر الماضي) تحدث عن عرضٍ قدّمته رودريغيز لواشنطن يقوم على تصور «المادوروية من دون مادورو»؛ أي نظام مخفف يحافظ على بعض البنية القائمة مع إخراج الرئيس.
هذا الطرح، وفق التسريبات، كان أحد مسارات النقاش قبل أن ترجّح واشنطن خيار الاعتقال المباشر.
شهادات تُثقل الاتهام
النائب السابق للرئيس الكولومبي فرانسيسكو سانتوس كالديرون قال لقناة NTN24:
«لم يُطَح به… بل سُلِّم لهم».
تصريحٌ اعتبره مراقبون أقسى اتهام علني بالخيانة، خاصة مع تزامنه مع معطيات عن اختراق استخباراتي عميق.
الاستخبارات في العمق: فريق صغير ومصدر واحد

بحسب مصدر مطّلع، شكّلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية فريقًا صغيرًا على الأرض منذ أغسطس/آب، ضم مصدرًا واحدًا داخل الحكومة.
الفريق—وفق روايات عسكرية—تتبع نمط حياة مادورو: أين ينام، ماذا يأكل، تحركاته اليومية، وحتى تفاصيل شخصية، ما جعل القبض عليه «سلسًا» عند لحظة التنفيذ.
مفارقة الخطاب: تصعيد علني… ثم تعاون
بعد الغارة، حافظت رودريغيز على خطاب حكومي حاد، مطالبة بـ«الإفراج الفوري» عن مادورو ومنددة بـ«العدوان».
لكن تحولًا دراماتيكيًا وقع في اليوم التالي: بصفتها رئيسة مؤقتة—بقرار من المحكمة العليا—عرضت التعاون مع إدارة ترامب وبناء «علاقات قائمة على الاحترام»، وفق ديلي ميل.
هذا التبدّل السريع عمّق الشكوك حول الدور المزدوج.
عملية «الحسم المطلق»: آلة ضخمة وقرار سياسي
أُعلن تنفيذ العملية عند 04:21 فجرًا عبر منصة «تروث سوشيال».
التخطيط—بحسب تسريبات—دام أشهرًا، وشمل:
-
حشدًا بحريًا (حاملة طائرات، 11 سفينة)
-
أكثر من 12 مقاتلة F-35
-
نحو 15 ألف جندي
-
قوات نخبة بينها دلتا فورس
-
نسخة مطابقة لمخبأ مادورو للتدريب
نواة القرار ضمّت شخصيات مثل ستيفن ميلر وماركو روبيو وبيت هيغسيث ومدير الـCIA جون راتكليف، باجتماعات شبه يومية.

اللحظة الحاسمة: تسليم بلا غرفة آمنة
وفق رواية ترامب، حاول مادورو بلوغ غرفة آمنة لكنه فشل في إغلاق بابها.
اقتحمت القوات المكان خلال ثوانٍ، وسلّم مادورو وزوجته سيليا فلوريس نفسيهما.
تقارير نيويورك تايمز قدّرت سقوط نحو 80 قتيلًا مع ترجيح الزيادة.
المال والنفط… لماذا رُفض «النظام المخفف»؟
أفادت ميامي هيرالد بأن وسطاء—منهم قطريون—طرحوا خيارين: تولي رودريغيز أو الجنرال المتقاعد ميغيل رودريغيز توريس.
لكن واشنطن—بحسب التسريبات—رفضت إعادة تدوير النظام، مفضّلة الاعتقال وإدارة انتقال مع فتح ملف النفط والتمويل.
ما بعد مادورو: محاكمة ورسائل تهديد
من المقرر مثول مادورو أمام محكمة فدرالية في مانهاتن بتهم الإرهاب والاتجار بالمخدرات.
وفي رسالة تصعيد، حذّر ترامب من أن كولومبيا قد تكون الهدف التالي، ما ردّ عليه رئيسها غوستافو بيترو: «الأصدقاء لا يقصفون».
قراءة تحليلية
-
سلاسة التنفيذ تعزز فرضية الاختراق الداخلي، دون حسم قضائي بعد.
-
تبدّل الخطاب من التصعيد إلى التعاون يثير أسئلة سياسية وقانونية.
-
المال والنفط عنصران حاضران في حسابات ما بعد الاعتقال.
-
سابقة خطيرة قد تعيد تشكيل قواعد التدخل في أمريكا اللاتينية.
لم تكن عملية عسكرية
بين روايات «الصفقة» و«الخيانة»، تبقى حقيقة واحدة: اعتقال مادورو لم يكن عملية عسكرية تقليدية.
سواء ثَبُتت فرضية «التسليم» أو تبيّن غير ذلك، فإن ما جرى فتح صندوق أسئلة حول حدود القوة، ودور الداخل في إسقاط الرؤساء، ومستقبل السيادة في عالم تُدار أزماته بالمال والاستخبارات.


