الثلاثاء، ١٩ مايو ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٢ م

«صرخات خلف الجدران».. ماذا يحدث داخل دار أيتام البنين بحي الكوثر في سوهاج؟!!

 تصدرت مؤسسة البنين لرعاية الأيتام بحي الكوثر المشهد بعد تداول اتهامات خطيرة تتحدث عن تعرض أطفال داخل الدار للعنف والتعذيب، وعلى رأسهم طفل قيل إن اسمه أحمد خلف ويبلغ من العمر 9 سنوات. وحتى الآن، فإن المتاح إعلاميًا يتحدث عن اتهامات ومنشورات متداولة ومطالبات بالتحقيق، وليس حكمًا نهائيًا أو بيانًا رسميًا حاسمًا يثبت تفاصيل الواقعة كاملة؛ لكن خطورة ما نُشر جعلت الملف يتحول إلى قضية رأي عام تستدعي تدخلًا عاجلًا، لأن الحديث هنا لا يدور عن خلاف إداري عابر، بل عن أطفال بلا سند، يفترض أن تكون الدار بالنسبة لهم مكان حماية ورعاية لا مساحة خوف أو عقاب.

بداية الأزمة.. منشورات عن طفل عمره 9 سنوات

 بدأت القصة بعد انتشار منشورات تتحدث عن تعرض طفل يدعى أحمد خلف، عمره 9 سنوات، لانتهاكات جسدية قاسية داخل دار أيتام البنين بحي الكوثر، وهو ما فجر موجة غضب بين الأهالي والمتابعين الذين طالبوا بفتح تحقيق شامل والتأكد من سلامة جميع الأطفال المقيمين داخل المؤسسة.

الصدمة في الواقعة ليست فقط في تفاصيل الاتهامات، ولكن في طبيعة المكان نفسه؛ فدار الأيتام مؤسسة يفترض أنها تقدم الاحتواء النفسي والاجتماعي، وتكون البديل الآمن للأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية. لذلك، فإن أي ادعاء بوجود عنف داخلها يجب أن يُعامل كجرس إنذار لا يحتمل التأخير.

                            صورة منتشرة علي مواقع التواصل لتعذيب طفل بالدار

مطالبات عاجلة بتدخل محافظ سوهاج والتضامن

أهالي سوهاج ومستخدمو مواقع التواصل طالبوا بتدخل عاجل من الجهات المختصة، وعلى رأسها محافظة سوهاج ومديرية التضامن الاجتماعي، لفحص أوضاع الأطفال داخل الدار، ومراجعة نظم الإشراف والرعاية، والتأكد من عدم تعرض أي طفل لإيذاء بدني أو نفسي. كما دعا مواطنون إلى تشكيل لجنة رقابية مستقلة تضم ممثلين من التضامن وحقوق الطفل والجهات المعنية، لفحص دور الرعاية بالمحافظة بشكل عام، وليس هذه المؤسسة وحدها.

وهنا يصبح السؤال الأهم: هل هناك متابعة يومية حقيقية داخل دور الرعاية؟ وهل توجد كاميرات مراقبة في الأماكن العامة غير الخاصة؟ وهل يتمكن الأطفال من تقديم شكوى آمنة دون خوف؟ وهل تُجرى مقابلات نفسية دورية معهم بعيدًا عن الإدارة؟

   محافظ سوهاج يتفقد مؤسسة رعاية الأيتام بحي الكوثر وقرية الحواويش بأخميم

                                       محافظ سوهاج السابق في زيارة رسمية للدار

الدار سبق أن خضعت لجولات رسمية ومفاجئة

اللافت أن مؤسسة البنين لرعاية الأيتام بحي الكوثر لم تكن بعيدة عن الزيارات الرسمية خلال الفترة الماضية. ففي سبتمبر 2024، تفقد محافظ سوهاج وقتها المؤسسة، ومر على أماكن المبيت والملاعب والمطبخ وقاعة الطعام، والتقى أبناء الدار واستمع إلى مطالبهم وشكواهم، ووجّه بزيادة المصروف اليومي والكميات المنصرفة من الأطعمة، مع تكثيف الأنشطة الثقافية والدينية والرياضية وترتيب جلسات مع أخصائيين نفسيين واجتماعيين.

كما نشرت بوابة الأهرام خبرًا عن جولة مفاجئة للسكرتير العام المساعد لمحافظة سوهاج داخل المؤسسة في سبتمبر 2024، لمتابعة جودة الوجبات وأعمال إعداد الطعام، والتأكد من احتواء الوجبات على العناصر الغذائية اللازمة للأطفال، مع التأكيد على تنفيذ أنشطة دينية وثقافية ورياضية.

هذه الزيارات السابقة تجعل الأزمة الحالية أكثر حساسية؛ لأنها تطرح سؤالًا مباشرًا: هل كانت الزيارات كافية لكشف حقيقة الأوضاع؟ أم أن دور الرعاية تحتاج إلى رقابة أعمق، تشمل مقابلات منفردة مع الأطفال، ومراجعة سجلات الإصابات، وسجلات الجزاءات، وشكاوى العاملين، وتقارير الأخصائيين؟

صور الدار.. ما الذي نعرفه عن المؤسسة؟

الصور المتاحة والمنشورة عبر وسائل إعلام محلية تُظهر المؤسسة خلال زيارات رسمية، ومنها صور من جولات مسؤولين داخل غرف ومرافق المؤسسة، وصور لزيارة وكيل تضامن سوهاج للمكان قبل أشهر. هذه الصور توثق وجود المؤسسة ومرافقها وزيارات المسؤولين لها، لكنها لا تكفي وحدها لنفي أو إثبات الاتهامات الأخيرة؛ فالصور الرسمية تعكس لحظة زيارة، بينما التحقيق الحقيقي يجب أن يفحص ما يحدث في الحياة اليومية داخل الدار.

كما شهدت المؤسسة في نوفمبر 2025 فعاليات ثقافية وفنية بمناسبة أعياد الطفولة، بحضور مسؤولي حي الكوثر وقصر ثقافة الكوثر، وتضمنت أنشطة للأطفال مثل الحكي والرسم والألعاب الجماعية واكتشاف المواهب، وفق ما نشرته روزاليوسف.

في زيارة مفاجئة.. وكيل تضامن سوهاج يستمع لاحتياجات أبناء مؤسسة البنين بحي الكوثر| صور

                                       الدار كما يراها المسئولين وتصور لهم

بين الرعاية والرقابة.. أين الخلل؟

إذا صحت الاتهامات المتداولة، فنحن أمام خلل خطير في منظومة الرعاية. وإذا لم تثبت، فنحن أيضًا أمام أزمة ثقة تحتاج إلى شفافية كاملة. ففي كلتا الحالتين، لا يكفي بيان مقتضب أو زيارة سريعة؛ المطلوب إعلان نتائج فحص واضح، يطمئن المجتمع على الأطفال، ويكشف هل توجد مخالفات أم لا.

أي دار رعاية للأطفال يجب أن تقوم على 5 ضمانات أساسية: إشراف مؤهل، أخصائيون نفسيون واجتماعيون حقيقيون، آلية شكوى آمنة، رقابة مفاجئة لا شكلية، ومحاسبة فورية عند ثبوت أي إيذاء أو إهمال. أما ترك الطفل وحيدًا داخل منظومة مغلقة، دون قدرة آمنة على الشكوى، فهو الخطر الأكبر.

ما المطلوب الآن؟

المطلوب فورًا هو فحص طبي ونفسي للأطفال المقيمين داخل الدار بواسطة جهة محايدة، وسماع أقوال الأطفال بعيدًا عن إدارة المؤسسة، ومراجعة كاميرات المراقبة إن وجدت، وفحص سجلات الإصابات والعقوبات والغياب، ومراجعة ملفات العاملين والمشرفين. كما يجب إعلان نتيجة التحقيق للرأي العام بوضوح، لأن القضية أصبحت تمس ثقة الناس في مؤسسات الرعاية.

كذلك يجب مراجعة كل دور الرعاية في سوهاج، لا من باب التشهير، بل من باب الوقاية. الطفل اليتيم لا يحتاج فقط إلى سرير ووجبة، بل يحتاج إلى أمان، حضن، حماية، تعليم، علاج نفسي، ورقابة تمنع أي شخص من استغلال ضعفه أو صمته.

أطفال الكوثر ليسوا أرقامًا في مؤسسة

ما يحدث حول دار أيتام البنين بحي الكوثر في سوهاج لم يعد مجرد منشور غاضب على مواقع التواصل، بل اختبار حقيقي لمنظومة حماية الأطفال. الاتهامات خطيرة، والسكوت أخطر، والتسرع في إصدار الأحكام دون تحقيق أيضًا غير مقبول.

الحل الوحيد الآن هو تحقيق شفاف وسريع، يحمي الأطفال أولًا، ويحاسب أي مخطئ إذا ثبتت الواقعة، ويبرئ المؤسسة والعاملين إذا كانت الاتهامات غير صحيحة بالدليل لا بالكلام. هؤلاء الأطفال ليسوا أرقامًا في دفاتر الرعاية، بل أمانة في رقبة الدولة والمجتمع، وأي يد تمتد عليهم بالإيذاء يجب أن تُقطع عنها سلطة الاقتراب منهم بالقانون.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.