دخلت سوريا لحظة سياسية جديدة مع تسلّم الجيش السوري آخر موقع كانت تشغله القوات الأمريكية في الحسكة تتجاوز هذه العملية مجرد الانسحاب العسكري. فواشنطن أنهت وجودها المباشر بعد أكثر من عقد من الانتشار، بينما تقول دمشق إن اكتمال تسليم المواقع يعكس استعادة السيادة وتوحيد البنية العسكرية في الشمال الشرقي. هذه اللحظة لا تعني فقط نهاية فصل ميداني، بل بداية اختبار حقيقي لمكانة سوريا في الإقليم خلال المرحلة المقبلة.
ماذا حدث في الحسكة؟
اكتمل الانسحاب الأمريكي من قاعدة قسرك الجوية في محافظة الحسكة يوم 16 أبريل 2026، في خطوة وُصفت بأنها جزء من خفض انتشار أمريكي أوسع في سوريا. وبذلك أصبحت الحكومة السورية تسيطر على جميع المواقع التي كانت تستخدمها القوات الأمريكية داخل البلاد، بعد انسحاب سابق من قاعدة التنف في فبراير.
الولايات المتحدة قالت إن التحرك “انتقال مدروس ومشروط”، وإن دعم جهود مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية سيستمر، لكن من دون بقاء القواعد السابقة بالشكل نفسه. وفي المقابل، اعتبرت دمشق أن استلام هذه المواقع جاء بعد دمج القوات الكردية ضمن الهياكل الوطنية وعودة الدولة إلى مواقع كانت خارج سيطرتها المباشرة.
الدلالة السياسية للانسحاب الأمريكي
الانسحاب في هذا التوقيت يحمل أكثر من معنى. أولها أن واشنطن لم تعد ترى أن الوجود القاعدي المباشر في سوريا ضروري بالقدر نفسه الذي كان قائمًا منذ 2014، خصوصًا بعد تغير المشهد العسكري والسياسي في الشمال الشرقي. وثانيها أن الولايات المتحدة فضّلت الخروج مع وجود جهة محلية قادرة على ملء الفراغ، بدل ترك الساحة مفتوحة لفوضى جديدة أو عودة سريعة لتنظيم الدولة. هذا يفسر وصف الخطوة بأنها انتقال مشروط، لا انسحابًا فوضويًا.
أما الرسالة الثالثة، فهي أن دمشق ربحت اعترافًا عمليًا بقدرتها على استلام الأرض وإدارة الملف الأمني في المناطق التي خرجت منها القوات الأمريكية. هذا لا يعني تطبيعًا كاملًا أو تحالفًا، لكنه يعني أن سوريا الجديدة أصبحت طرفًا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الوجود الأمريكي.

هل كسبت دمشق استقلالية أكبر؟
من حيث الشكل، نعم. فخروج آخر قاعدة أمريكية يمنح الدولة السورية مساحة أوسع للتحرك الأمني والسياسي داخل حدودها، ويعزز خطاب “استعادة القرار الوطني”. لكن الاستقلالية هنا ليست كاملة بعد، لأن سوريا ستظل مطالبة بإثبات قدرتها على إدارة الشمال الشرقي ومنع عودة التنظيمات المتشددة وضبط الحدود ومسارات التهريب. بعبارة أوضح: الانسحاب الأمريكي منح دمشق فرصة، لكنه لم يمنحها نجاحًا تلقائيًا.
ماذا تريد واشنطن من دمشق بعد الانسحاب؟
المعطيات المتاحة توحي بأن واشنطن تريد من الحكومة السورية أن تتحمل العبء الأمني المباشر، خاصة في ملف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية. وكالة أسوشيتد برس نقلت أن الولايات المتحدة تعتبر القوات الحكومية السورية قادرة على تولي هذه المهام، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن انسحابها جاء بعد انتقال آلاف المشتبه بانتمائهم للتنظيم من مراكز احتجاز داخل سوريا إلى سجون في العراق، بما يقلل بعض أعباء الملف الأمني.
هذا يعني أن واشنطن لا تغادر من باب التخلي الكامل، بل من باب إعادة توزيع الأدوار: سوريا تمسك الأرض، والولايات المتحدة تحتفظ بإمكانية الدعم أو التدخل المحدود إذا لزم الأمر.
هل يتحول الدور السوري إلى ما بعد الحدود؟
هنا تبدأ المنطقة الرمادية. فاستعادة دمشق لمواقعها تعني تلقائيًا أنها ستصبح لاعبًا أكثر حضورًا في الملفات المتداخلة مع العراق ولبنان، سواء في مكافحة التنظيمات المسلحة أو في ضبط الحدود أو في الترتيبات السياسية المقبلة. لكن الانتقال من استعادة السيطرة الداخلية إلى لعب دور إقليمي وازن يحتاج أكثر من مجرد فراغ أمريكي؛ يحتاج قدرة على إنتاج نفوذ مستقر ومقبول من الجوار، لا مجرد فرض أمر واقع عسكري. وهذه النقطة ما تزال قيد الاختبار. الاستنتاج هنا تحليلي مبني على الوقائع الأخيرة، وليس إعلانًا رسميًا من الأطراف.

التحدي الأكبر بعد خروج القواعد
أكبر اختبار أمام دمشق ليس الاحتفال بخروج الأمريكيين، بل ما سيأتي بعده. فإذا نجحت في منع عودة الفوضى، وضبط الشمال الشرقي، وطمأنة الأطراف الإقليمية، فستتحول لحظة الانسحاب إلى مكسب استراتيجي حقيقي. أما إذا ظهر فراغ أمني أو عادت بؤر التوتر، فسيُعاد تفسير الانسحاب كله على أنه مجرد تبديل مواقع لا أكثر.
هل تبدأ معادلة جديدة في سوريا؟
الراجح أن سوريا دخلت بالفعل مرحلة مختلفة، لكن ملامحها لم تكتمل بعد. خروج آخر قاعدة أمريكية من الحسكة أغلق بابًا عمره أكثر من عشر سنوات، لكنه فتح أبوابًا أصعب: اختبار الدولة، واختبار الشراكة، واختبار النفوذ. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا انسحبت واشنطن؟ بل: هل تستطيع دمشق تحويل هذا الانسحاب إلى وزن سياسي إقليمي مستدام؟


