السبت، ١٧ يناير ٢٠٢٦ في ١٢:٥٤ ص

سمر مرسي تكتب :«نسمات بيت العز.. السبوع المصري أنشودة حنين لا تنتهي بين الأصالة والحداثة»

بين ضمة الحكايا القديمة ورائحة البخور التي تسكن زوايا بيوتنا، ثمة لحظة فاصلة لا تُقاس بالأيام، بل بمقدار ما يتدفق فيها من حنين. هي تلك اللحظة التي يطرق فيها «القادم الجديد» أبواب دنيانا، ليعيد صياغة أبجديات الفرح وتتبدل أحوال البيت وتغمرنا السعادة وتملأ الفرحة قلوبنا ببهجة لا توصف.

إنه «السبوع»، ذلك الطقس الذي لا تكتمل تفاصيله إلا بلمسة الوفاء لعاداتنا الأصيلة التي توارثناها جيلاً بعد جيل.
وفي بيوتنا الطيبة، لم تكن هذه المناسبة مجرد اجتماع عائلي، بل هي إعلان عن فيض من الحب، وصلاة جماعية ترفعها القلوب ليكون المولود الجديد «قرة عين» لوالديه، وغرسًا طيبًا في بستان العائلة الكبير.
«السبوع».. ليس مجرد احتفال بمرور سبعة أيام، بل هو صكّ الأمان الأول، وأول نشيد جماعي تكتبه العائلة بحروف من حب لتُهدي به الصغير خريطة الانتماء في عالمٍ متسارع."

طقوس المحبة.. بين النغم والطعم


تتحول الدار في هذا اليوم إلى «أنشودة حب» لا تهدأ. فمن المطبخ، تفوح رائحة «المُغات» المصري الشهير أو «الكراوية» المعطرة باليانسون، وتزدان الأكواب بالمكسرات المحمصة، لتقدم للضيوف كعربون مودة وتحلية للنفوس قبل الفم.

ترتفع الأصوات بالنشيد الرسمي للمولود الجديد، تلك الأغنية الرمزية التي لا يغيب سحرها أبدًا:
«حلقاتك برجلاتك.. حلقة دهب في وداناتك»
«يا رب يا ربنا.. يكبر ويبقى قدنا»
تلك الكلمات البسيطة، التي يرددها الجميع بحماس، تتبعها وصايا ضاحكة للصغير بأن «يسمع كلام أمه» و«لا يسمع كلام أبيه» في مداعبة عائلية لطيفة، قبل أن تعود الجدات لترديد أهازيج الحماية والبركة.

تتجلى التقاليد في أبهى صورها؛ حيث يُوضع الصغير في «المَنخُل»، ويُهزّ برفق فوق الأرض، في إشارة رمزية لتعويده على تقلبات الدنيا وتنبيه حواسه للحياة. ولا تكتمل الطقوس إلا بـ «السبع حبوب»، حيث تُنثر الحبوب بجانب المهد كرمز للوفرة والرزق والخير الذي نتمناه لهذا القادم الجديد.

ترانيم البركة.. إرثٌ لا يشيخ


تجلس الجدات كــ ملكات متوجات على عرش الخبرة والبركة. هنّ حافظات السر وحاميات التراث؛ يلتففن حول المهد الصغير، وبأصواتهن المخملية التي تحمل صدق العاطفة، يشرعن في غناء أهازيج خاصة: دعواتٌ بالستر والصون من «عين الحسود»، وأمنيات بطول العمر وسعة الرزق.

تلك الأغاني ليست مجرد كلمات، بل هي «تميمة» معنوية تُحيط الصغير بهالة من الأمان، وتزرع في وجدان الحاضرين أن هذا الطفل هو امتداد لجذور ضاربة في عمق الأصالة.

بين الأمس واليوم.. أين غابت «دقة الهون»؟!


ومع تسارع إيقاع الحياة العصرية، بدأ هذا المشهد الأسطوري يتوارى تدريجيًا خلف بريق «الحداثة». فاليوم، لم تعد «دقة الهون» ترنّ في ردهات البيوت كما كانت، بل استبدلتها قاعات المناسبات الفاخرة، وتحولت أهازيج الجدات العفوية إلى قوائم تشغيل موسيقية مُسجلة سلفًا.
 لقد انزوت رائحة «المُغات» الأصيلة لتترك مكانها لعلب الحلوى الجاهزة المنسقة وفق أحدث خطوط الموضة (Candy Table)، وغابت طقوس «الغربال» تحت وطأة الخوف الزائد أو الرغبة في اتباع نمط حياة أكثر «عولمة».

ومع ذلك، ورغم هذا التحول الشكلي، يظلّ الحنين في القلوب يشدنا نحو تلك التفاصيل القديمة؛ فمهما بلغت فخامة الاحتفالات الحديثة، تظلّ «بركة» البيت ولمة الأهل حول «المَنْخُل» والسبع حبوب هي النبض الذي يمنح السبوع معناه الحقيقي، والأمان الذي لا تشتريه المظاهر.

إن احتفالنا بالسبوع ليس تمسكًا بالقشور، بل هو احتفاء بقيمة «العائلة» التي تجمعنا تحت سقف واحد. هي لحظة نوقف فيها الزمن لنقول للصغير: «أنت لست وحدك، نحن جميعًا هنا لنستقبلك بالحب والدعاء». فما أجمل أن تظل بيوتنا عامرة بضحكات الصغار، ودعوات الكبار، ورائحة المُغات التي تذكرنا دائمًا بأن السعادة الحقيقية تسكن في التفاصيل البسيطة الراقية.