الأحد، ٨ مارس ٢٠٢٦ في ٠٣:٥١ م

سلطنة عُمان.. حكمة السياسة وفتنة الذكاء الاصطناعي

سلطنة عُمان.. حين تواجه الحكمة السياسية حملات التضليل الرقمي

في عالم عربي تتزاحم فيه الصراعات السياسية والتجاذبات الإقليمية، تبقى سلطنة عُمان حالة فريدة تستحق التوقف أمامها. فمنذ عقود طويلة، رسمت مسقط لنفسها مسارًا مختلفًا في السياسة الخارجية، يقوم على الهدوء، والاتزان، والحكمة، بعيدًا عن الاستقطاب الحاد أو الخطاب المتشنج الذي طبع علاقات كثير من دول المنطقة.

لم تكن هذه السياسة مجرد موقف عابر أو ظرف مؤقت، بل أصبحت ثابتًا راسخًا في المدرسة الدبلوماسية العُمانية، التي عُرفت بقدرتها على بناء الجسور بين الأطراف المتنازعة، والحفاظ على مسافة متوازنة من الجميع.

لكن المفارقة أن هذه الدولة التي اختارت طريق الاعتدال والهدوء لم تسلم هي الأخرى من حملات التضليل، في زمن أصبحت فيه الحقيقة نفسها عرضة للتزييف.


سلطنة عُمان.. مدرسة سياسية مختلفة في الشرق الأوسط

سياسة لا تعرف التشنج أو المغامرة

تتميز السياسة الخارجية لسلطنة عُمان بخصوصية واضحة مقارنة بالعديد من دول المنطقة. فبينما تميل بعض الدول إلى الاصطفاف الحاد في الصراعات الإقليمية، اختارت مسقط منذ عقود سياسة الحياد الإيجابي.

هذا الحياد لم يكن ضعفًا أو ترددًا، بل كان استراتيجية واعية تقوم على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية.

ومن هنا أصبحت سلطنة عُمان واحدة من الدول القليلة التي يصعب جرّها إلى المهاترات السياسية أو الحملات الإعلامية، لأن سياستها تقوم أساسًا على تجنب الصدام.

كما أن هذه السياسة أكسبت السلطنة احترامًا واسعًا في العالم العربي، حيث يُنظر إليها باعتبارها صوت الحكمة والاعتدال في كثير من الملفات الإقليمية.

               السلطان هيثم

حملة التضليل الأخيرة.. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للفبركة

فيديو مفبرك يثير الجدل

رغم هذا التاريخ الدبلوماسي الهادئ، لم تسلم سلطنة عُمان من محاولات التشويه، حيث انتشر مؤخرًا مقطع فيديو منسوب إلى السلطان هيثم بن طارق يدعو فيه الرئيس المصري الراحل أنور السادات للتدخل لوقف الحرب في المنطقة.

لكن سرعان ما تبيّن أن الفيديو مصنوع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما كشف عن مرحلة جديدة من التلاعب الإعلامي قد تكون أكثر خطورة من أي وقت مضى.

فالأمر لم يقف عند حدود نشر الفيديو فقط، بل جرى تداوله على نطاق واسع في محاولة لإضفاء مصداقية عليه.

والمفارقة أن الأمر لم يستغرق سوى يوم واحد حتى ظهر فيديو آخر يزعم تصحيح الأول، ليظهر فيه اسم الرئيس المصري عبد الفتاح البرديسي بدلاً من السادات، ما كشف بشكل واضح أن المسألة برمتها عملية فبركة متعمدة. وفيديو تم اعدادة بالذكاء الأصطناعي


عصر التزييف الرقمي.. خطر يتجاوز السياسة

حين تصبح الحقيقة قابلة للتعديل

ما جرى في هذه الواقعة لا يتعلق فقط بسلطنة عُمان، بل يعكس مرحلة جديدة من التضليل الإعلامي تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي.

ففي السابق كانت عمليات التلاعب بالمعلومات تعتمد على الشائعات أو الأخبار الكاذبة، أما اليوم فقد أصبحت التكنولوجيا قادرة على إنتاج فيديوهات تبدو حقيقية تمامًا.

وهنا تكمن الخطورة.

لأن الجمهور العادي قد لا يستطيع التمييز بسهولة بين الفيديو الحقيقي والمصطنع، خصوصًا إذا جرى ترويجه عبر منصات التواصل الاجتماعي بسرعة كبيرة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في مواجهة الأخبار الكاذبة، بل في مواجهة صناعة الواقع المزيف بالكامل.


لماذا يتم استهداف سلطنة عُمان؟

دولة تحظى بالاحترام العربي

يبقى السؤال المنطقي: من الذي يريد النيل من سلطنة عُمان؟

فالسلطنة ليست طرفًا في نزاعات إقليمية حادة، ولم تُعرف عنها مواقف عدائية تجاه أي دولة عربية.

بل على العكس، تتمتع مسقط برصيد كبير من الاحترام والمحبة في العالم العربي، بما في ذلك مصر، حيث ينظر كثير من المصريين إلى سلطنة عُمان باعتبارها دولة شقيقة تجمعها علاقات تاريخية طيبة مع القاهرة.

كما أن مواقف السلطنة السياسية كانت دائمًا واضحة، قائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

لهذا يبدو أن استهدافها بمثل هذه الحملات لا يتعلق بمواقفها السياسية بقدر ما يعكس محاولات لإرباك الرأي العام العربي عبر نشر محتوى مضلل.


رسالة إلى الجمهور العربي

لا تصدق كل ما تراه

الدرس الأهم من هذه الواقعة هو أن زمن تصديق كل ما يُنشر على الإنترنت قد انتهى.

فالتكنولوجيا التي صنعتها البشرية لتسهيل الحياة أصبحت أيضًا أداة يمكن استخدامها لنشر التضليل.

ولهذا فإن مسؤولية التحقق من المعلومات أصبحت مشتركة بين الإعلام والجمهور على حد سواء.

فكل فيديو أو تصريح أو خبر يجب التعامل معه بدرجة من الحذر، خصوصًا إذا كان يتعلق بقضايا سياسية حساسة.


سلطنة عُمان.. دولة الحكمة في زمن الضجيج

في النهاية تبقى سلطنة عُمان نموذجًا سياسيًا مختلفًا في المنطقة.

فهي دولة اختارت الحكمة بدل الضجيج، والاتزان بدل المغامرة، والحوار بدل الصراع.

وهذا المسار الذي سارت عليه لعقود هو ما منحها احترام الشعوب العربية، وأكسب سياستها مصداقية يصعب التشكيك فيها.

لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يبدو أن حتى الدول الهادئة قد تجد نفسها فجأة في قلب معارك إعلامية لم تخترها.

ولهذا فإن الوعي المجتمعي أصبح اليوم خط الدفاع الأول ضد حملات التضليل التي قد تستهدف أي دولة أو شخصية عامة.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.