بلاغ في منتصف الليل يقلب مصنع ألبان رأسًا على عقب
علي مبدأ فيلم ياعزيزي كلنا لصوص قامت سيدة وابنتها بالتخطيط لسرقه مصنع الألبان يعملان به ليتكشف بعده جريمة تهريب كبري
بدأت القصة ببلاغ بدا في ظاهره واقعة سرقة تقليدية، لكنه سرعان ما تحول إلى خيط يقود إلى مفاجآت متلاحقة. رجل أعمال يمتلك مصنعًا للألبان ومنتجاتها في منطقة القطامية، توجه إلى مديرية الأمن، وأبلغ عن تعرض مصنعه لعملية سطو نفذها شخصان ملثمان في ساعة متأخرة من الليل.
وقال صاحب المصنع في بلاغه إن المتهمين اقتحما المكان، وقاما بتقييده هو و6 من العاملين معه، قبل أن يستوليا على مبلغ مالي يتجاوز نصف مليون جنيه، ثم لاذا بالفرار.
كانت الرواية الأولى توحي بجريمة سطو منظمة، لكن تحركات رجال المباحث سرعان ما كشفت أن ما حدث لم يكن مجرد اقتحام عشوائي، بل خطة داخلية بدأت من داخل المصنع نفسه.
الكاميرات تقود المباحث إلى أول الخيط
عقب البلاغ، بدأت أجهزة الأمن في فحص كاميرات المراقبة وتتبع خطوط الحركة داخل المصنع ومحيطه. ومع مراجعة التفاصيل، ظهرت علامات استفهام حول كيفية دخول المتهمين إلى المكان بهذه السهولة، وكيف عرفا توقيت التنفيذ، وأين توجد الأموال.
ومع توسيع دائرة التحريات، بدأت الصورة تتضح: هناك من سهّل دخول المنفذين من الداخل.
وبحسب ما كشفت عنه التحريات الأولية، فإن عاملة بالمصنع وابنتها، وهما من العاملات لدى صاحب المصنع، كانتا وراء فكرة الجريمة والتخطيط لها، بعدما قررتا استغلال معرفتهما بتفاصيل المكان، ومواعيد العمل، ونقاط الضعف داخل المصنع.
خطة من الداخل.. تعطيل الكاميرات وترك الباب مفتوحًا
كشفت التحريات أن العاملة وابنتها لم تكتفيا بالتخطيط، بل قامتا بتسهيل تنفيذ الجريمة عمليًا. فقبل مغادرتهما المصنع، عطلتا كاميرات المراقبة، وتركتا الباب مفتوحًا لتسهيل دخول المنفذين.
وبحسب التحقيقات، اتفقت الابنة مع خطيبها على تنفيذ عملية السرقة، فاستعان بشخصين آخرين؛ أحدهما شاركه التنفيذ داخل المصنع، بينما تولى الآخر مهمة القيادة والانتظار خارج المكان لتأمين الهروب بعد انتهاء العملية.
وبالفعل، دخل المتهمون إلى المصنع في التوقيت المتفق عليه، ونفذوا الواقعة، ثم خرجوا حاملين ما تمكنوا من الاستيلاء عليه، معتقدين أن تعطيل الكاميرات وغياب الأدلة سيجعل الوصول إليهم أمرًا صعبًا.
سقوط المتهمين ومفاجأة داخل المضبوطات
لكن تحريات المباحث وتتبع خطوط الهروب قادت إلى ضبط المتهمين. وبحوزتهم عثرت الأجهزة الأمنية على أسلحة بيضاء، وجزء من المبلغ المالي المسروق.
إلا أن المفاجأة لم تكن في الأموال فقط، بل في أشياء أخرى عثرت عليها الشرطة بحوزتهم: هواتف آيفون جديدة، وشاشات وقطع غيار خاصة بالهواتف.
هنا بدأت القضية تأخذ مسارًا مختلفًا. فالسؤال الذي فرض نفسه بقوة: ما علاقة هواتف آيفون وقطع غيارها بسرقة مصنع ألبان؟
اعترافات تكشف السر داخل علب الجبن وبرطمانات اللبن
وبمواجهة المتهمين، ظهرت مفاجأة جديدة. فقد اعترفت العاملة وابنتها، بحسب ما ورد في التحقيقات، بأنهما علمتا أثناء عملهما داخل المصنع بوجود نشاط غير معلن يتعلق بتهريب هواتف آيفون وقطع غيارها إلى خارج البلاد.
وبحسب روايتهما، فإن صاحب المصنع كان يخفي الهواتف وقطع الغيار داخل عبوات منتجات الألبان، مثل علب الجبن وبرطمانات اللبن، بهدف تهريبها والتهرب من سداد الرسوم الجمركية والضرائب المستحقة.
هذه المعلومة، وفق اعترافات المتهمتين، كانت الدافع الأكبر وراء تنفيذ الجريمة. فقد رأت المتهمة وابنتها أن صاحب المصنع، بحسب وصفهما، يعمل خارج إطار القانون، فقررتا سرقته ظنًا منهما أن الأمر سيمر دون بلاغ كامل، لأن صاحب المصنع لن يستطيع كشف كل ما تمت سرقته.
صاحب المصنع يبلغ عن الأموال فقط
المفاجأة الأكبر أن صاحب المصنع، بحسب ما تردد في التحقيقات، لم يذكر في بلاغه واقعة سرقة الهواتف أو قطع الغيار، واكتفى بالإبلاغ عن سرقة مبلغ مالي فقط، بل وذكر أن قيمة الأموال المسروقة تتجاوز نصف مليون جنيه.
وتشير الرواية المتداولة إلى أنه خشي من الإبلاغ عن الهواتف وقطع الغيار حتى لا ينكشف مصدرها أو طريقة إدخالها وتخزينها داخل المصنع، فقام بنقل ما تبقى منها إلى منزله، وحاول حصر البلاغ في سرقة الأموال فقط.
لكن ما حاول إخفاءه خرج إلى العلن على يد المتهمين أنفسهم، بعدما ضبطت الأجهزة الأمنية بحوزتهم جزءًا من المسروقات غير المبلغ عنها.
سرقة تكشف قضية أكبر
ما بدأ كبلاغ عن سطو داخل مصنع ألبان، تحول إلى قضية متشابكة تضم أكثر من خيط: سرقة، تخطيط داخلي، تعطيل كاميرات، أسلحة بيضاء، أموال مسروقة، هواتف آيفون، واتهامات بتهريب بضائع داخل عبوات غذائية.
وبينما كانت المتهمتان تعتقدان أن سرقة شخص يخشى كشف نشاطه ستمنحهما فرصة للنجاة، انتهى الأمر بكشف الجميع، ودخول صاحب المصنع نفسه دائرة التحقيقات.
النيابة تحقق مع جميع الأطراف
تواصل جهات التحقيق فحص الواقعة بكامل تفاصيلها، سواء فيما يتعلق بعملية السرقة، أو المضبوطات التي عُثر عليها بحوزة المتهمين، أو ما أثير حول وجود هواتف وقطع غيار غير مبلغ عنها داخل المصنع.
ومن المنتظر أن تكشف التحقيقات ما إذا كانت الهواتف وقطع الغيار دخلت البلاد بطرق قانونية أم لا، وما حقيقة استخدامها داخل عبوات منتجات الألبان، وهل كان المصنع غطاءً لنشاط آخر، أم أن الأمر لا يزال في إطار اتهامات تحتاج إلى أدلة وفحص جمركي ومالي.
جريمة عادية تكشف قضية أكبر
تكشف هذه الواقعة كيف يمكن لجريمة سرقة تبدو عادية في بدايتها أن تفتح بابًا لقضية أكبر بكثير. فبلاغ صاحب مصنع ألبان عن سرقة نصف مليون جنيه قاد المباحث إلى شبكة من التخطيط الداخلي، قبل أن تكشف المضبوطات عن مفاجأة تتعلق بهواتف آيفون وقطع غيار مخبأة، واتهامات بالتهريب داخل عبوات منتجات الألبان.
وبين اعترافات المتهمين وتحريات الشرطة، تبقى الكلمة الأخيرة لجهات التحقيق، التي ستحدد المسؤوليات القانونية لكل طرف، وتكشف حقيقة ما جرى داخل مصنع القطامية.


