الثلاثاء، ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ في ٠١:٠٨ م

زامير يفضح جيش الاحتلال.. سرقات وتدنيس مقدسات في جنوب لبنان

اعترافات نادرة تهز صورة جيش الاحتلال من الداخل

في لحظة كاشفة لحجم الارتباك داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خرج رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير بتصريحات حادة عن سلوك بعض الجنود في جنوب لبنان، بعد تقارير عن نهب ممتلكات مدنية ووقائع تخريب وتدنيس رموز دينية. لم يأتِ الحديث هذه المرة من خصوم إسرائيل أو من روايات إعلامية عربية، بل من أعلى مستوى عسكري داخل الجيش نفسه، حيث وصف زامير ظاهرة النهب، إن ثبتت، بأنها “مشينة” وقد تلطخ صورة الجيش بالكامل، مؤكدًا أنه لا يقبل أن يتحول الجيش إلى “جيش من اللصوص”.

هذه التصريحات تفتح الباب أمام أزمة أعمق من مجرد واقعة فردية، لأنها تكشف عن قلق داخل القيادة الإسرائيلية من انفلات أخلاقي وانضباطي وسط الحرب، ومن انتقال هذا الانفلات إلى الفضاء الرقمي عبر مقاطع وصور ينشرها الجنود بأنفسهم، بما يضع الجيش أمام فضائح موثقة لا يمكن احتواؤها بسهولة.

                                                        إيال زامير

النهب لم يعد اتهامًا عابرًا.. بل ملفًا على طاولة القيادة

اللافت في تصريحات زامير أنه لم يتعامل مع ما نُشر باعتباره دعاية مضادة فقط، بل أعلن أن أي وقائع من هذا النوع سيتم التحقيق فيها، بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن انتشار نهب ممتلكات مدنية في مناطق جنوب لبنان التي فرّ منها سكانها بسبب القتال. ووفق تقرير نشره موقع “تايمز أوف إسرائيل”، جاءت تصريحات زامير عقب تقرير لصحيفة هآرتس عن نهب واسع من جانب جنود إسرائيليين في جنوب لبنان.

وهنا تكمن خطورة الأزمة: عندما تتحول البيوت المهجورة بفعل الحرب إلى مساحة مفتوحة للسرقة، لا يعود الأمر مجرد مخالفة عسكرية، بل يصبح انهيارًا في فكرة الانضباط نفسها. فالجيش الذي يدّعي الالتزام بقواعد القتال يجد نفسه مضطرًا للاعتراف بأن سلوك بعض عناصره يهدد صورته أمام الداخل والخارج.

تحطيم تمثال السيد المسيح.. واقعة فجرت الغضب

من أكثر الوقائع التي فجرت الغضب قيام جندي إسرائيلي بتحطيم تمثال للسيد المسيح في بلدة دبل المسيحية بجنوب لبنان، بينما قام جندي آخر بتصوير الواقعة، في مشهد أثار إدانات واسعة. وأعلن الجيش الإسرائيلي معاقبة جنديين بإبعادهما عن الخدمة القتالية ووضعهما في الحبس العسكري لمدة 30 يومًا، بعد تحقيق خلص إلى أن أحدهما ألحق الضرر بالرمز الديني، بينما وثق الآخر الواقعة، مع وجود 6 جنود آخرين في المكان دون تدخل.

هذه الواقعة ليست مجرد تخريب لمجسم أو تمثال، بل اعتداء على رمز ديني داخل قرية لبنانية، ولذلك جاءت الإدانات واسعة من شخصيات سياسية ودينية، كما وصف زامير الواقعة بأنها فشل أخلاقي وسلوك غير مقبول.

سقوط خطاب “الجيش المنضبط”

لسنوات طويلة حاولت الدعاية الإسرائيلية تقديم جيش الاحتلال بوصفه مؤسسة منضبطة تتحرك وفق قواعد صارمة، لكن وقائع النهب وتخريب الرموز الدينية تقوض هذه الصورة من داخلها. فعندما يحتاج رئيس الأركان إلى التحذير العلني من النهب، وعندما يعاقب الجيش جنودًا بسبب تدنيس رمز ديني، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد قابلة للدفن تحت بيانات عامة عن “القيم” و“الأخلاق”.

الأخطر أن هذه الوقائع تأتي في بيئة حرب مفتوحة، حيث تكون الرقابة أصعب، ويصبح سلوك الجنود في القرى والمناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية معيارًا حقيقيًا لطبيعة المؤسسة. وفي جنوب لبنان، يبدو أن بعض الجنود تعاملوا مع المنازل والممتلكات والرموز الدينية كغنائم أو مواد للسخرية والتصوير، لا كحقوق مدنية ومقدسات يجب احترامها.

شارات ورسائل سياسية.. أزمة انضباط داخل الجيش

لم تتوقف تصريحات زامير عند ملف النهب وتدنيس الرموز، بل امتدت إلى سلوكيات أخرى داخل الجيش، بينها ارتداء شارات أو رموز اعتبرها خروجًا على قيم المؤسسة العسكرية، إلى جانب استخدام بعض الجنود منصات التواصل الاجتماعي لنشر رسائل سياسية أو ترويج ذاتي. ووفق تقارير إسرائيلية، شدد زامير على ضرورة منع تحويل الجيش إلى منصة شخصية أو سياسية، في ظل تآكل الانضباط خلال الحروب الأخيرة.

وهذه النقطة شديدة الدلالة، لأنها تكشف أن الأزمة لم تعد ميدانية فقط، بل أصبحت أزمة هوية وانضباط. فالجندي الذي يحمل رسالة سياسية خاصة، أو يوثق أفعالًا مسيئة وينشرها على المنصات، لا يضر فقط بصورة الجيش، بل يفضح طبيعة التفكير والسلوك داخل بعض الوحدات.

                                                  تحطيم تمثال  السيد المسيح في جنوب لبنان

تيك توك وفيسبوك.. عندما تتحول الفضيحة إلى محتوى

أحد أبعاد الأزمة داخل جيش الاحتلال أن الجنود لم يعودوا يتحركون فقط في ساحات القتال، بل في ساحات السوشيال ميديا أيضًا. الصور والمقاطع التي تنشر من الميدان تحولت إلى مادة اتهام ضد الجيش نفسه، لأنها توثق أفعالًا قد يحاول قادته لاحقًا إنكارها أو وصفها بأنها حالات معزولة.

لذلك جاءت تعليمات القيادة العسكرية بتقييد استخدام الجنود للمنصات في الرسائل السياسية أو الترويج الذاتي كاعتراف ضمني بأن الفوضى الرقمية أصبحت خطرًا مباشرًا على المؤسسة. فكل مقطع منتشر، وكل صورة من قرية أو منزل أو موقع ديني، قد تتحول إلى دليل عالمي على الانفلات والانتهاك.

أزمة بشرية تضغط على المؤسسة العسكرية

وراء هذه الوقائع، يقف جيش الاحتلال أمام أزمة أوسع تتعلق بالإرهاق ونقص القوة البشرية وطول أمد العمليات. ومع اتساع جبهات القتال، تتزايد الحاجة إلى جنود إضافيين، بينما يشتد الجدل الداخلي حول تجنيد المتدينين المتشددين، ومكانة النساء داخل الجيش، وطبيعة الهوية التي يجب أن تحكم المؤسسة العسكرية.

هذه الأزمة لا تبدو منفصلة عن الانفلات السلوكي، لأن الجيش المرهق والمنقسم داخليًا يصبح أكثر عرضة لتراجع الانضباط. وحين تدخل الخلافات الدينية والسياسية إلى داخل المؤسسة العسكرية، يصبح من الصعب الحفاظ على صورة “الجيش الموحد” الذي يتحرك وفق قيادة واحدة وقواعد واحدة.

جنوب لبنان يكشف ما حاول الاحتلال إخفاءه

ما يحدث في جنوب لبنان يضع جيش الاحتلال أمام اختبار أخلاقي وسياسي قاسٍ. فالميدان لا يكشف فقط نتائج المعارك، بل يكشف أيضًا طبيعة تعامل القوات مع المدنيين وممتلكاتهم ومقدساتهم. وعندما تظهر اتهامات بالنهب، ثم واقعة موثقة لتدنيس رمز ديني، ثم اعترافات وتحذيرات من رئيس الأركان، فإن الأمر لم يعد مجرد دعاية مضادة، بل أزمة داخلية حقيقية.

كما أن الاعترافات الإسرائيلية تمنح روايات السكان والحقوقيين وزنًا إضافيًا، لأنها تؤكد أن الانتهاكات ليست دائمًا روايات خارجية، بل تصل أحيانًا إلى طاولة القيادة العسكرية نفسها، وتفرض عليها إصدار بيانات وعقوبات وتحذيرات.

تحطيم تمثال السيد المسيح

تصريحات إيال زامير بشأن النهب في جنوب لبنان، وواقعة تحطيم تمثال السيد المسيح في بلدة دبل، تكشف عن أزمة أخلاقية وانضباطية عميقة داخل جيش الاحتلال. فالنهب، وتدنيس المقدسات، وارتداء الشارات ذات الرسائل الخاصة، واستخدام المنصات لنشر محتوى سياسي أو ترويجي، كلها علامات على جيش يواجه ضغطًا داخليًا متصاعدًا، وليس فقط حربًا خارجية. وبين محاولات القيادة احتواء الفضيحة، تبقى الصورة الأوضح أن جنوب لبنان كشف جانبًا مما حاولت إسرائيل طويلًا إخفاءه خلف خطاب “الجيش الأخلاقي”.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.