أزمة التحالف حول مضيق هرمز.. لماذا بدأت دول كبرى ترفض خطة ترامب العسكرية؟
مع تصاعد التوترات في الخليج العربي واحتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث بوصفه أحد أخطر بؤر الصراع في العالم. فالممر البحري الذي تمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية أصبح اليوم محور خطط عسكرية تقودها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن المفاجأة التي أربكت واشنطن جاءت من رفض عدد من الدول الحليفة المشاركة في الحملة البحرية التي تعد لها الإدارة الأمريكية لتأمين المضيق، وهو ما يثير تساؤلات كبيرة حول مدى قدرة واشنطن على تشكيل تحالف دولي واسع كما حدث في أزمات سابقة.
وقد برزت مواقف لافتة في هذا السياق، أبرزها رفض اليابان المشاركة في التحالف العسكري، إلى جانب تحركات دبلوماسية من دول أخرى مثل الهند التي فضلت التفاهم المباشر مع إيران لضمان مرور سفنها عبر المضيق.
أهمية مضيق هرمز في المعادلة العالمية
يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى الأسواق العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن:
-
نحو 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر المضيق.
-
تعتمد دول كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين بشكل كبير على نفط الخليج.
-
أي اضطراب في الملاحة البحرية هناك قد يؤدي إلى قفزات كبيرة في أسعار الطاقة عالمياً.
ولهذا السبب أصبح المضيق نقطة حساسة للغاية في أي صراع إقليمي.
خطة ترامب لتشكيل تحالف عسكري
مع تصاعد الهجمات البحرية والتوترات في المنطقة، طرحت الإدارة الأمريكية فكرة تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز.
وكان الهدف المعلن هو:
-
تأمين مرور السفن التجارية.
-
مواجهة التهديدات الإيرانية المحتملة.
-
حماية إمدادات الطاقة العالمية.
لكن هذه الخطة تعتمد على مشاركة عدد كبير من الدول البحرية الكبرى، وهو ما يبدو حتى الآن بعيد المنال.

اليابان ترفض الانضمام للتحالف
كان الموقف الياباني من أبرز المفاجآت التي واجهت خطة ترامب.
فاليابان، التي تعد حليفاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة، رفضت رسمياً إرسال قوات أو سفن حربية للمشاركة في الحملة العسكرية في مضيق هرمز.
وبحسب تقارير إعلامية نقلتها هيئة الإذاعة اليابانية NHK، فإن الحكومة اليابانية أكدت أن قراراتها العسكرية والسياسية تُتخذ بناءً على مصالحها الوطنية وقوانينها الخاصة.
ويمثل هذا الموقف تحولاً لافتاً في علاقة طوكيو بواشنطن، حيث نادراً ما تعلن اليابان موقفاً يخالف رغبة الحليف الأمريكي بهذا الوضوح.
لماذا رفضت اليابان المشاركة؟
يرى محللون أن قرار اليابان يعود إلى عدة عوامل استراتيجية مهمة.
أولاً: الاعتماد الكبير على نفط الخليج
تعتمد اليابان على الخليج في تأمين أكثر من 90% من احتياجاتها النفطية، ما يجعلها حريصة على تجنب أي تصعيد قد يهدد هذه الإمدادات.
ثانياً: الخوف من التورط في حرب طويلة
إرسال سفن حربية إلى منطقة مليئة بالألغام البحرية والطائرات المسيرة قد يعني الدخول في حرب استنزاف طويلة.
ثالثاً: القيود الدستورية
الدستور الياباني بعد الحرب العالمية الثانية يفرض قيوداً صارمة على المشاركة العسكرية خارج الأراضي اليابانية.
الهند تختار طريقاً مختلفاً
في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن حشد تحالف عسكري، اختارت الهند مساراً مختلفاً تماماً.
فقد كشفت تقارير عن تفاهمات غير معلنة بين نيودلهي وطهران لضمان مرور السفن الهندية عبر مضيق هرمز بأمان.
ويشير هذا التحرك إلى أن الهند تفضل الدبلوماسية المباشرة مع إيران بدلاً من الانخراط في تحالف عسكري قد يزيد التوتر في المنطقة.
ويرى مراقبون أن هذا القرار يعكس البراغماتية الهندية في إدارة مصالحها الاقتصادية والطاقة.
تحفظات دول أخرى على خطة واشنطن
لا يقتصر التحفظ على اليابان والهند فقط، بل تشير تقارير إلى أن عدة دول أخرى أبدت ترددًا في الانضمام إلى الحملة العسكرية.
ومن بين هذه الدول:
-
الصين
-
فرنسا
-
بعض الدول الأوروبية
ويرجع هذا التردد إلى مخاوف من تحول الحملة إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
هل يتفكك التحالف قبل أن يبدأ؟
مع تزايد المواقف الرافضة أو المتحفظة، بدأ بعض المحللين يتساءلون:
هل يمكن أن يفشل التحالف الدولي الذي تسعى واشنطن إلى تشكيله قبل أن يبدأ فعلياً؟
فالتجارب السابقة تشير إلى أن نجاح أي تحالف عسكري يعتمد على مشاركة واسعة من القوى الدولية الكبرى.
لكن في هذه الحالة، يبدو أن العديد من الدول تفضل تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة النتائج.
حسابات الدول الكبرى
تتعامل الدول الكبرى مع الأزمة الحالية وفق حسابات معقدة.
فمن ناحية، تريد هذه الدول ضمان استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز.
ومن ناحية أخرى، تخشى من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى إغلاق المضيق أو اندلاع حرب إقليمية واسعة.
ولهذا تميل بعض الدول إلى الحلول الدبلوماسية بدلاً من التصعيد العسكري.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء التطورات الحالية، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الأزمة.
السيناريو الأول: تشكيل تحالف محدود
قد تنجح واشنطن في تشكيل تحالف عسكري لكنه سيكون أصغر بكثير من المتوقع.
السيناريو الثاني: تصاعد التوتر العسكري
إذا استمرت المواجهات في المنطقة، فقد يتحول المضيق إلى نقطة اشتعال خطيرة.
السيناريو الثالث: العودة إلى المسار الدبلوماسي
قد تدفع المخاوف الاقتصادية العالمية الأطراف المختلفة إلى العودة للحوار لتجنب التصعيد.
تحديات خطة واشنطن
تكشف المواقف الأخيرة لعدد من الدول، وعلى رأسها اليابان والهند، أن خطة واشنطن لتشكيل تحالف عسكري في مضيق هرمز تواجه تحديات كبيرة.
فالكثير من الدول باتت تفضل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتجنب الانجرار إلى صراع عسكري جديد في الشرق الأوسط.
ومع استمرار التوترات في المنطقة، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل تستطيع الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي فعلي، أم أن التحفظات الدولية ستجعل واشنطن تتحرك منفردة في واحدة من أخطر مناطق العالم؟


