استطلاعات الرأي ترسم خطًا أحمر: الشارع الأمريكي يرفض حربًا جديدة في الشرق الأوسط
في لحظة فارقة من تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، تتصاعد داخل الولايات المتحدة رسالة واضحة موجهة إلى ساكن البيت الأبيض: لا حرب مع إيران.
الرسالة هذه المرة ليست صادرة عن خصوم سياسيين فقط، بل تعكس تحولًا عميقًا في المزاج الشعبي الأمريكي بعد عقدين من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان.
الملف الإيراني عاد إلى الواجهة، في ظل توتر إقليمي متصاعد، وضغوط إسرائيلية متكررة تدفع نحو تشديد المواجهة. غير أن الداخل الأمريكي يبدو أقل استعدادًا بكثير لتحمل مغامرة عسكرية جديدة، خصوصًا إذا كان الدافع حماية حسابات سياسية خارجية لا ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأمريكي.
استطلاعات الرأي.. رفض واسع لأي تدخل عسكري
أظهرت عدة استطلاعات حديثة أن نسبة تأييد شن حرب على إيران لا تتجاوز ربع الأمريكيين في أفضل الأحوال، بينما تعارضها أغلبية واضحة.
-
نحو نصف الأمريكيين يعارضون التدخل العسكري.
-
أقل من 25% يؤيدون ضرب إيران عسكريًا.
-
نسبة كبيرة تفضل المسار الدبلوماسي حتى مع استمرار الخلافات.
الأرقام تعكس تحولا استراتيجيا في الوعي العام:
الناخب الأمريكي لم يعد يرى الشرق الأوسط ساحة تستحق التضحية بأرواح الجنود أو المليارات من أموال الضرائب.
بل إن نسبة معتبرة من الجمهوريين أنفسهم – قاعدة أي رئيس جمهوري – لا تؤيد حربًا واسعة، وهو ما يضع قيودًا سياسية ثقيلة على أي قرار تصعيدي.

رسالة مباشرة إلى البيت الأبيض
الرسالة الشعبية يمكن تلخيصها في معادلة بسيطة:
جيش الولايات المتحدة وُجد لحماية الأمريكيين، لا لخوض حروب بالوكالة عن أي طرف.
هذه الفكرة لم تعد هامشية في الخطاب السياسي، بل أصبحت محورًا مركزيًا في النقاش العام. فبعد تجربة غزو العراق عام 2003، الذي حظي حينها بدعم واسع قبل أن يتحول إلى عبء سياسي واستراتيجي، بات الأمريكيون أكثر حذرًا من الانجرار وراء روايات الحرب السريعة.
اليوم، إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرى أن المواجهة العسكرية مع إيران ضرورة استراتيجية، فإن جزءًا كبيرًا من الرأي العام الأمريكي يعتقد أن على إسرائيل أن تتحمل تبعات قراراتها بنفسها، لا أن تُزج واشنطن في مواجهة إقليمية مفتوحة.
إرهاق الحروب.. تحوّل في العقيدة الشعبية
أمريكا ما بعد أفغانستان ليست أمريكا ما بعد 11 سبتمبر.
الانسحاب الفوضوي من كابول، والإنفاق العسكري الضخم، والانقسامات الداخلية، كلها عوامل ساهمت في إعادة صياغة نظرة المواطن الأمريكي لدور بلاده عالميًا.
اليوم، الأولويات مختلفة:
-
ضبط التضخم
-
معالجة أزمة الحدود
-
إصلاح الاقتصاد
-
تعزيز البنية التحتية
أما الحروب الخارجية، فلم تعد تحظى بالزخم التعبوي الذي كانت تتمتع به في العقد الأول من القرن الحالي.
إسرائيل والضغط السياسي
لا شك أن إسرائيل تظل حليفًا استراتيجيًا لواشنطن، لكن مفهوم التحالف لا يعني تلقائيًا تبني كل خيارات الشريك.
التحالفات، وفق المنظور الأمريكي التقليدي، تقوم على المصالح المتبادلة لا على الانخراط غير المشروط.
ومن هنا يتصاعد سؤال داخل النخب الأمريكية:
هل الحرب مع إيران تخدم الأمن القومي الأمريكي مباشرة؟
أم أنها ستفتح جبهة إقليمية أوسع قد تجر واشنطن إلى صراع طويل ومكلف؟
حسابات البيت الأبيض
أي رئيس أمريكي يفكر في خيار عسكري واسع ضد إيران سيواجه ثلاث معضلات:
-
غياب الغطاء الشعبي الكافي.
-
انقسام حزبي داخلي.
-
مخاطر توسع الحرب إقليميًا.
ومع اقتراب أي استحقاقات انتخابية، تصبح حسابات الشعبية أكثر حساسية. فالناخب الأمريكي يعاقب عادة القرارات العسكرية الفاشلة، كما حدث بعد حرب العراق.
الخلاصة: خط أحمر سياسي
التحليل السياسي يشير بوضوح إلى أن الرأي العام الأمريكي يبعث برسالة حاسمة:
-
لا نريد حربًا جديدة في الشرق الأوسط.
-
لا نريد أن يتحول الجيش الأمريكي إلى أداة صراع إقليمي.
-
الأولوية لأمن المواطن الأمريكي داخل حدوده.
إذا كانت المواجهة مع إيران خيارًا استراتيجيًا لإسرائيل، فإن جزءًا متزايدًا من الأمريكيين يرى أن القرار العسكري يجب أن يبقى مسؤولية من يتبناه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل يستمع البيت الأبيض إلى نبض الشارع هذه المرة، أم أن منطق الحسابات الجيوسياسية سيتغلب على منطق الإرادة الشعبية؟


