رسائل مجهولة تفجر الخوف داخل إسرائيل
مما أثار تلقي العديد من المقيمين داخل الأراضي العربية المحتلة العديد من الرسائل التحذيرية مما أثار حالة من الفزع والارتباك اجتاحت أوساطًا واسعة داخل إسرائيل عندما تلقى آلاف المستوطنين رسائل تهديد مباشرة عبر تطبيق “واتساب”، في واقعة عكست انتقال المواجهة مع إيران من ميادين الصواريخ والمضائق إلى شاشة الهاتف الشخصي. الرسائل لم تصل عبر بيان عسكري أو قناة إخبارية، بل ظهرت للمستخدمين عبر حسابات أعمال بدت في ظاهرها رسمية أو مألوفة، ما ضاعف من تأثيرها النفسي، خصوصًا أنها حملت تحذيرات صريحة من “وابل صواريخ” ودعوات إلى تخزين الطعام والاستعداد لقضاء أسابيع داخل الملاجئ. ووفق صحيفة “جيروزاليم بوست”، فإن نمط الهجوم يتوافق مع أساليب مجموعة “حنظلة” المرتبطة بإيران، التي تجمع بين الاختراقات الرقمية والحرب النفسية ضد المدنيين الإسرائيليين.
مضمون الرسالة.. تحذير بالصواريخ والملاجئ
بحسب النص الذي نشرته “جيروزاليم بوست”، جاءت الرسالة باللغة الإنجليزية، وهاجمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهمة إياه بمحاولة البقاء في السلطة عبر “حماقة متهورة”، ثم وجّهت تحذيرًا إلى “السكان اليهود في الأراضي المحتلة” للاستعداد لما وصفته الرسالة بوابل من صواريخ “Sayyid Majid”، مع مطالبتهم بتخزين المؤن لأنهم “سيقضون أسابيع في الملاجئ”.
قوة الرسالة لم تكن فقط في كلماتها، بل في طريقة وصولها. فحين تصل مثل هذه العبارات إلى هاتف شخصي عبر واتساب، يشعر المتلقي أن التهديد دخل مساحته الخاصة، ولم يعد مجرد خبر بعيد على شاشة التلفزيون. وهنا يظهر جوهر الحرب النفسية: ليس المطلوب بالضرورة إحداث ضرر مادي مباشر، بل زرع الخوف، وإرباك الثقة، ودفع المواطنين إلى التساؤل عن قدرة الدولة على حمايتهم حتى داخل هواتفهم.
الأمن السيبراني الإسرائيلي يدخل على الخط

بعد انتشار الرسائل، تدخلت المديرية الوطنية للأمن السيبراني في إسرائيل لفحص الواقعة، ومحاولة تحديد مصدر الرسائل وطريقة انتشارها، خصوصًا أن استخدام حسابات أعمال على واتساب قد يمنح المهاجمين قدرة أكبر على الظهور بصورة تبدو موثوقة أو أقل إثارة للشك في اللحظة الأولى. وأشارت “جيروزاليم بوست” إلى أن النمط العام للهجوم يتماشى مع عمليات تنسب إلى مجموعة “حنظلة”، وهي مجموعة تعرف باستخدام رسائل التهديد والتسريبات والحملات النفسية ضد الإسرائيليين.
هذا الاستنفار يعكس أن الخطر لم يعد مقتصرًا على اختراق مؤسسة حكومية أو تسريب قاعدة بيانات، بل أصبح يلامس المدنيين مباشرة، ويستهدف مزاجهم العام وثقتهم بقيادتهم وقدرتهم على الصمود في ظل الحرب.
من هي مجموعة حنظلة؟
تُعرف “حنظلة” بأنها مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران، وظهرت بقوة خلال السنوات الأخيرة ضمن موجة عمليات سيبرانية تستهدف إسرائيل والولايات المتحدة. وتشير ملفات تعريف منشورة عنها إلى أنها تنشط في الهجمات الإلكترونية، وتسريب البيانات، وتشويه المواقع، واستخدام برمجيات تخريبية، إلى جانب حملات نفسية تعتمد على الرسائل المباشرة والتهديدات الرقمية.
وليست هذه المرة الأولى التي يُذكر فيها اسم المجموعة في سياق استهداف إسرائيلي. فقد ذكرت “جيروزاليم بوست” في يناير 2026 أن “حنظلة” هددت بنشر معلومات تتعلق بالموساد، كما ارتبط اسمها سابقًا بعمليات اختراق وتسريب ضد شخصيات ومؤسسات إسرائيلية.
ساحة المعركة الجديدة.. الهاتف لا الجبهة فقط
ما تكشفه هذه الواقعة أن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالرسائل والإشعارات والتطبيقات اليومية. فواتساب، الذي يستخدمه المواطنون للتواصل العائلي والعمل، تحول فجأة إلى أداة ضغط نفسي. والحساب التجاري، الذي يُفترض أن يكون وسيلة لخدمة العملاء أو التواصل الرسمي، استُخدم كقناع لتمرير رسالة تهديد عابرة للحدود.
هذا النوع من الهجمات يعكس تحولًا خطيرًا: المهاجم لا يحتاج دائمًا إلى تعطيل شبكة كهرباء أو اختراق منشأة عسكرية كي يحقق أثرًا. أحيانًا تكفي رسالة واحدة مكتوبة بعناية لتوليد موجة خوف، ودفع آلاف الأشخاص إلى إعادة التفكير في الأمان الشخصي، وفي جاهزية الملاجئ، وفي قدرة الحكومة على السيطرة على المشهد.
لماذا تستهدف الرسائل نتنياهو؟
الرسالة لم تكتفِ بتهديد المدنيين، بل ركزت على نتنياهو بوصفه سبب “الحماقة المتهورة”، في محاولة واضحة لتحويل الخوف الشعبي إلى ضغط سياسي داخلي. هذه هي نقطة الحرب النفسية الأهم: أن تجعل المواطن لا يخاف من الخصم فقط، بل يغضب من قيادته أيضًا، ويتساءل إن كانت قراراتها هي التي جلبت الخطر إلى باب بيته وهاتفه.
ومن خلال توجيه الخطاب إلى الإسرائيليين أنفسهم، تحاول الجهة المرسلة خلق فجوة بين المجتمع والقيادة، وإيصال رسالة مفادها أن استمرار الحرب سيجعل المدنيين يدفعون الثمن في الملاجئ والخوف ونقص المؤن.
رسائل مشابهة وصلت إلى قوات أمريكية
لم تقتصر حملة التهديدات المرتبطة بمجموعة حنظلة على الإسرائيليين فقط. فقد ذكرت صحيفة “Stars and Stripes” أن جنودًا أمريكيين متمركزين في الشرق الأوسط تلقوا رسائل تهديد من مجموعة مرتبطة بهجمات سيبرانية إيرانية، ما يعكس اتساع نطاق الحرب النفسية إلى ما وراء الداخل الإسرائيلي، ليشمل الوجود الأمريكي في المنطقة أيضًا.
وهذا التطور مهم لأنه يوضح أن الرسائل ليست حادثًا منفصلًا، بل جزء من نمط أوسع يستهدف الخصوم العسكريين والسياسيين لإيران عبر أدوات رقمية مباشرة، سهلة الانتشار، وصعبة السيطرة السريعة.
هل يعني ذلك انهيار أمان واتساب؟
لا يعني وصول الرسائل بالضرورة أن تشفير واتساب نفسه انهار أو أن كل الحسابات تعرضت للاختراق. السيناريو الأقرب، وفق طبيعة مثل هذه الحملات، أن المهاجمين استخدموا حسابات أعمال أو قوائم أرقام أو أساليب إرسال جماعي للوصول إلى المستخدمين، دون الحاجة بالضرورة إلى كسر التشفير من طرف إلى طرف.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في عامل الثقة. فالمستخدم العادي لا يهتم بالتفاصيل التقنية بقدر ما يهتم بالسؤال البسيط: كيف وصلت رسالة تهديد إلى هاتفي؟ ومن يملك رقمي؟ وهل يمكن أن تصلني تهديدات أخرى؟ هذه الأسئلة وحدها كافية لإحداث أثر نفسي واسع.
حرب نفسية أم اختراق أمني؟
الواقعة تجمع بين الاثنين. من جهة، هناك بُعد سيبراني واضح يتعلق بطريقة الإرسال، واستخدام حسابات تبدو رسمية، واستهداف عدد كبير من المستخدمين. ومن جهة أخرى، هناك مضمون نفسي مصمم بعناية: تهديد بالصواريخ، اتهام لنتنياهو، تحذير من الملاجئ، ودعوة لتخزين الطعام.
لذلك، لا يمكن فهم الحادثة كرسائل مزعجة فقط، بل كعملية تأثير تستهدف الوعي العام، وتستخدم التكنولوجيا كوسيلة لنقل الخوف مباشرة إلى الجمهور.
إسرائيل أمام اختبار ثقة جديد
تضع هذه الرسائل إسرائيل أمام اختبار صعب. فمن ناحية، عليها طمأنة المواطنين بأن هواتفهم وحساباتهم ليست مخترقة بالضرورة. ومن ناحية أخرى، عليها ملاحقة مصدر الحملة ومنع تكرارها. لكن التحدي الأكبر هو الحفاظ على الثقة في وقت تتداخل فيه أخبار الحرب، والتهديدات الصاروخية، والحملات السيبرانية، والتوتر السياسي الداخلي.
فكل رسالة من هذا النوع لا تهدد فردًا فقط، بل تهز صورة الدولة التي تقدم نفسها كقوة سيبرانية متقدمة. وإذا استطاعت مجموعة خارجية الوصول إلى آلاف المواطنين برسائل نفسية موجهة، فهذا يعني أن المعركة على الوعي أصبحت أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
حرب نفسية
رسائل واتساب التهديدية التي تلقاها آلاف الإسرائيليين تمثل فصلًا جديدًا من الحرب النفسية الرقمية بين إيران وإسرائيل. الرسائل هاجمت نتنياهو، وحذرت السكان من وابل صواريخ وأسابيع في الملاجئ، بينما أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن نمط العملية يتوافق مع أساليب مجموعة “حنظلة” المرتبطة بإيران. وبين الاستنفار السيبراني والذعر الشعبي، تؤكد الواقعة أن الهاتف الشخصي أصبح ساحة حرب، وأن الخوف قد يصل إلى المواطن في إشعار قصير قبل أن يصل الصاروخ إلى السماء


