كشفت تحقيقات صحفية أمريكية عن حملة رقمية واسعة النطاق استهدفت آلاف المواطنين عبر رسائل نصية مجهولة المصدر، قُدِّمت بغطاء منظمات تحمل أسماء مطمئنة توحي بالحياد والسلام.
اللافت في هذه الحملة أنها انتقلت من الدعاية التقليدية إلى تواصل مباشر وخفي مع مواطنين عاديين، مستفيدة من تقنيات البيانات الضخمة وأدوات التسويق السياسي، في معركة سردية تسعى لإعادة تشكيل الرأي العام الأمريكي حيال ما يجري في غزة.
رسائل «سلام» تنزلق إلى دعاية سياسية
أسئلة حيادية تتحول إلى ترويج للرواية الإسرائيلية
وفقًا لما أورده موقع Responsible Statecraft، تلقّى آلاف الأمريكيين خلال الأشهر الأخيرة رسائل من أرقام غير معروفة، عرّف مرسلوها أنفسهم كممثلين لمنظمات بأسماء مثل “أصدقاء السلام” و”شركاء في السلام”.
تبدأ الرسائل بأسئلة عامة عن المواقف من إسرائيل، لكنها سرعان ما تتحول إلى خطاب سياسي صريح يبرر السياسات الإسرائيلية ويشكك في التقارير الإنسانية الواردة من قطاع غزة، بما في ذلك القصف والمجاعة والدمار.
من يقف خلف الحملة؟
شركة أمريكية بعقد مباشر مع إسرائيل
كشفت التحقيقات أن هذه “المنظمات” لا وجود قانونيًا أو مؤسسيًا لها، وأن الحملة تقف خلفها شركة علاقات عامة أمريكية أسسها براد بارسكيل، المدير السابق لحملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتعمل الشركة بموجب عقد مباشر مع الحكومة الإسرائيلية، وهو ما يضع الحملة في خانة النشاط المنظم للتأثير على الرأي العام الأمريكي
أسماء وهمية وقصص مُعلّبة«جون» و«سارة» يقودان النقاش

بحسب التحقيق، انطلقت الحملة على نطاق واسع منذ نوفمبر الماضي، مستهدفة مواطنين من ولايات متعددة، بينهم أشخاص عبّروا سابقًا عن مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية.
ويتلقى المستهدفون رسائل من شخصيات بأسماء شائعة مثل “جون” و“سارة” و“مات”، يقدمون أنفسهم كممثلين لمنظمات “سلام”، قبل أن يقودوا النقاش تدريجيًا نحو تبرير السياسات الإسرائيلية والطعن في الروايات الإنسانية الصادرة من غزة.
وفي كثير من الحالات، يُحال المتلقون إلى مقاطع يوتيوب أو مواقع إلكترونية تحمل عناوين مثل “حلفاء السلام”، تروّج لإسرائيل بوصفها حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة.
أدلة تقنية تكشف الجهة المموِّلة
«كلاود تاور إكس» ووزارة الخارجية الإسرائيلية
تُظهر الهوامش القانونية لتلك المواقع أنها أُنشئت أو وُزّعت بواسطة شركة Cloud Tower X نيابةً عن دولة إسرائيل.
وترتبط الشركة بعقد تصل قيمته إلى 9 ملايين دولار مع وزارة الخارجية الإسرائيلية ضمن حملة تُعرف باسم “مشروع 545”، وتهدف إلى “تعزيز التواصل الاستراتيجي والدبلوماسية العامة لإسرائيل في الخارج”.
استراتيجية أوسع للتأثير
من الرسائل النصية إلى المؤثرين
لا تقتصر الحملة على الرسائل النصية، إذ تشمل:
-
إدماج محتوى مؤيد لإسرائيل في شبكات إعلامية محافظة
-
التعاون مع مؤثرين على منصات التواصل
-
استهداف فئات بعينها، مثل المسيحيين الإنجيليين
-
إعداد تحليلات شهرية للرأي العام، مع تركيز على جيل “زد”
وتندرج هذه الجهود ضمن ما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ**“الجبهة الثامنة”**، أي معركة السرد والرأي العام، التي خُصصت لها ميزانية تُقدّر بنحو 150 مليون دولار.
تقنيات تضليل رقمية
VoIP وقوالب ردود جاهزة
تحليل طبيعة الرسائل يشير إلى أنها غير عفوية؛ إذ تتبع الردود أنماطًا متكررة تقوم على تلخيص ما يقوله الطرف الآخر ثم تقديم إجابات مُعدّة سلفًا.
وترى ميغان إيوريو، الخبيرة القانونية في شؤون الخصوصية، أن الحملة تعتمد على برامج دردشة آلية بدائية أو مشغّلين بشريين يستخدمون قوالب ردود جاهزة.
كما تعتمد الأرقام على تقنية VoIP، الشائعة في حملات التسويق الجماعي وعمليات الاحتيال، ما يصعّب تتبع المصدر الحقيقي.
أسئلة قانونية وأخلاقية
هل خالفت الحملة قانون الوكلاء الأجانب؟
أثار غياب الإفصاح الواضح عن الجهة الممولة تساؤلات حول قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، الذي يُلزم أي جهة تعمل لصالح حكومة أجنبية بالإفصاح الصريح عند مخاطبة الرأي العام الأمريكي.
ويؤكد خبراء أن هدف القانون ليس تقييد الخطاب، بل ضمان الشفافية وحق المواطنين في معرفة من يسعى للتأثير عليهم ولماذا.
دبلوماسية الظل
تكشف هذه الحملة عن تحوّل لافت في أدوات الدبلوماسية العامة؛ من البيانات الرسمية إلى تواصل فردي مستتر، مستفيد من البيانات الضخمة والتقنيات الرقمية. وبينما تختلف المواقف السياسية، يتفق كثيرون على أن غياب الشفافية هو جوهر المشكلة، لا مجرد تبنّي موقف بعينه.


