في أزمة لم تعد تحتمل الشعارات العاطفية وحدها، عاد ملف كلاب الشوارع إلى صدارة الجدل في مصر، بعدما تحولت بعض المناطق السكنية إلى ساحات خوف يومي بين سكان يطالبون بالأمان، وآخرين يطعمون الكلاب في الشوارع تحت لافتة الرحمة. لكن السؤال الصادم أصبح الآن: هل الرحمة تعني أن تتحول مداخل العمارات، والشوارع الجانبية، ومحيط المدارس، إلى أماكن تجمع لقطعان كلاب قد تطارد الأطفال والنساء وكبار السن؟ الأزمة لم تعد مجرد خلاف بين جار يحب الحيوانات وآخر يخاف منها، بل صارت اختبارًا حقيقيًا لميزان القيم: كيف نحمي الحيوان دون أن نُرعب الإنسان؟
أرقام لا ترحم.. 1.4 مليون حالة عقر وفاتورة علاج بالمليارات
الأزمة ليست مبالغة من سكان خائفين أو منشورات غاضبة على مواقع التواصل. وزارة الصحة حذرت من ارتفاع حالات عقر الكلاب الضالة، وذكرت تقارير منشورة أن مصر سجلت نحو 1.4 مليون حالة عقر في عام 2025، وأن تكلفة توفير اللقاحات والأمصال لعلاج هذه الحالات بلغت حوالي 1.7 مليار جنيه في العام نفسه. كما أوضحت أن الكلاب مسؤولة عن النسبة الأكبر من إصابات السعار المسجلة.
هذه الأرقام تعني أن المشكلة خرجت من نطاق “حب الكلاب” و”كره الكلاب” إلى ملف صحة عامة وأمن مجتمعي وتكلفة اقتصادية تتحملها الدولة والمواطن.
الرحمة ليست أن تطعم كلبًا وتترك جارك خائفًا
الرحمة الحقيقية لا تكون بإلقاء الطعام في الشارع ثم الانصراف، تاركًا خلفك مجموعة كلاب تعتاد المكان وتدافع عنه وتهاجم من تراه غريبًا. من يريد رعاية الحيوان بجدية، فليتحمل مسؤولية كاملة: تبنٍّ، علاج، تطعيم، تعقيم، أو تسليمه لمكان رعاية منظم.
أما إطعام الكلاب في محيط العمارات والمدارس والمستشفيات، دون تنسيق أو رقابة أو نظافة أو مسؤولية، فقد يؤدي إلى نتيجة عكسية: تجمعات أكبر، سلوك أكثر شراسة، خوف السكان، وتزايد احتمالات العقر والمطاردة.

عندما يصبح الجار متهمًا لأنه خائف على أولاده
الأخطر في الأزمة أن بعض السكان الذين يشتكون من تجمع الكلاب أمام منازلهم يتعرضون لهجوم أخلاقي، وكأن خوف الأب على طفله أو الأم على ابنتها جريمة ضد الرحمة. هذا قلب خطير للمعادلة.
من حق الإنسان أن يمشي في شارعه دون أن يطارده كلب. ومن حق الطفل أن يذهب إلى مدرسته دون فزع. ومن حق المرأة وكبير السن أن يدخلوا العمارة دون أن يمروا وسط قطيع متحفز. هذه حقوق أساسية لا يجب أن تُعامل باعتبارها “قسوة على الحيوان”.
المشكلة ليست في الكلب وحده.. بل في الفوضى
كلب الشارع ليس شريرًا بطبيعته، وكثير من الحيوانات ضحية إهمال البشر، والقتل العشوائي أو التعذيب ليس حلًا ولا يمكن قبوله أخلاقيًا أو قانونيًا. لكن ترك الملف للفوضى أخطر أيضًا.
الحل ليس في إيذاء الحيوانات، وليس في إنكار خوف الناس، بل في إدارة منظمة: حصر، تعقيم، تطعيم، مراكز إيواء، منع الإطعام العشوائي في المناطق الحساسة، وتحديد نقاط رعاية بعيدة عن مداخل السكن والمدارس.
إطعام الشارع قد يغير السلوك
عندما يعتاد عدد كبير من الكلاب على مصدر طعام ثابت في شارع معين، يتحول المكان إلى منطقة نفوذ. وقد تبدأ الكلاب في حماية هذا المكان، ومطاردة الغرباء، والتعامل مع السكان كتهديد. هنا تصبح النية الطيبة سببًا في خطر غير مقصود.
ولهذا فإن الإطعام العشوائي ليس فعلًا بسيطًا كما يبدو، بل سلوك له آثار على البيئة المحيطة، وعلى حركة الأطفال، وعلى النظافة العامة، وعلى السكان الذين لم يختاروا العيش بجوار نقطة تجمع يومية للكلاب.

مرض السعار.. الخطر الذي لا يحتمل الاستهانة
مرض السعار ليس إصابة عادية. التقارير الصحية تؤكد أنه مرض قاتل إذا لم يتم التعامل معه بسرعة وبروتوكول طبي صحيح، ولذلك تتحمل الدولة تكلفة ضخمة لتوفير الأمصال واللقاحات. وتحدثت تقارير صحفية عن أن تكلفة علاج حالات العقر بلغت نحو 1.7 مليار جنيه، مع تزايد أعداد الحالات خلال السنوات الأخيرة.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا: هل من الرحمة أن نترك المشكلة تكبر حتى يدفع ثمنها طفل مصاب، أو أسرة مذعورة، أو ميزانية صحية منهكة؟
لا إنسانية بلا أمان.. ولا رحمة بلا مسؤولية
القضية لا يجب أن تتحول إلى حرب بين “محبي الحيوانات” و”أعداء الحيوانات”. هذه ثنائية كاذبة. يمكن أن تحب الحيوان وتحمي الإنسان في الوقت نفسه. بل إن الرحمة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما لا تؤذي طرفًا آخر.
من يطعم الكلاب أمام بيت غيره دون موافقة السكان لا يمارس الرحمة وحدها، بل يفرض قرارًا فرديًا على مجتمع كامل. ومن يطالب بحماية أطفاله لا يطالب بإبادة الحيوانات، بل يطالب بحق طبيعي في الأمان.
الحل العادل.. لا قتل ولا فوضى
الحل العاقل يبدأ من الاعتراف بأن الأزمة مركبة. الكلاب الضالة تحتاج إلى برامج تعقيم وتطعيم وإيواء، والسكان يحتاجون إلى تأمين الشوارع، والأطفال يحتاجون إلى حماية، والجهات المحلية تحتاج إلى رقابة ومتابعة.
كما يجب تنظيم إطعام الحيوانات داخل ضوابط واضحة: عدم الإطعام أمام المدارس، مداخل العمارات، المستشفيات، الأسواق، أو أماكن تجمع الأطفال، مع نقل نقاط الرعاية إلى أماكن آمنة ومراقبة.
معني المسئولية
أزمة كلاب الشوارع ليست اختبارًا لمن “أرحم” ومن “أقسى”، بل اختبار لمن يفهم معنى المسؤولية. الرحمة التي تتحول إلى خوف يومي للسكان ليست رحمة كاملة، والأمان الذي يقوم على إيذاء الحيوان ليس حلًا إنسانيًا.
المعادلة الصحيحة بسيطة:
من يحب الكلاب فعلًا فليحمها بطريقة لا تؤذي الناس، ومن يخاف على أولاده فله كل الحق في شارع آمن بلا اتهام ولا تخوين.
أما أن يصبح الإنسان الخائف على طفله متهمًا بقلة الرحمة، بينما تتحول مداخل البيوت إلى نقاط تجمع خطرة، فهذه ليست رحمة.. هذا خلل في ميزان المجتمع.


