قضية إبستين تعود إلى الواجهة.. هل يمثل ترامب أمام الكونغرس في أخطر اختبار سياسي جديد
يسيطر ملف جينفري إبستين علي الساحة السايسة في الولايات المتحدة الأمريكية بقوة ليهزّ المشهد السياسي الأمريكي من جديد ةذلك عقب دعوة النائب الديمقراطي روبرت غارسيا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإدلاء بشهادته أمام لجنة الرقابة والإصلاح في مجلس النواب، ضمن التحقيقات المتواصلة بشأن شبكة علاقات إبستين قبل وفاته عام 2019 داخل محبسه في نيويورك.
القضية، التي لم تهدأ منذ انتحار إبستين الغامض في السجن، تحولت إلى ساحة اشتباك سياسي مفتوح بين الديمقراطيين والجمهوريين، وسط مناخ انتخابي حاد واستقطاب غير مسبوق. ومع كل دفعة جديدة من الوثائق التي تُفرج عنها المحاكم أو وزارة العدل، يعود السؤال ذاته: من كان يعرف؟ ومن تستر؟ ومن يجب أن يُساءل؟
دعوة ترامب للشهادة ليست مجرد إجراء برلماني، بل اختبار سياسي ودستوري قد يعيد رسم حدود المساءلة في الولايات المتحدة.

خلفية القضية.. لماذا لم تُغلق صفحة إبستين؟
كان جيفري إبستين شخصية مالية مثيرة للجدل، ارتبط اسمه بشبكة علاقات واسعة شملت سياسيين ورجال أعمال ومشاهير عالميين. وبعد توقيفه في 2019 بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، عُثر عليه متوفى في زنزانته في حادثة وُصفت رسميًا بأنها انتحار، لكنها أثارت موجة من نظريات المؤامرة.
المشكلة لم تكن فقط في الجرائم المنسوبة إليه، بل في السؤال الأوسع: كيف استطاع لسنوات بناء شبكة علاقات نافذة دون مساءلة حقيقية؟
من هنا، أصبحت القضية رمزًا لفكرة "العدالة الانتقائية" في نظر قطاع واسع من الأمريكيين.
لماذا استُدعي ترامب الآن؟
ظهر اسم دونالد ترامب في سجلات طيران ووثائق قضائية مرتبطة بإبستين، شأنه شأن شخصيات أخرى من الحزبين. ورغم أن الظهور في تلك السجلات لا يعني ارتكاب مخالفة، فإن الديمقراطيين يعتبرون أن الشفافية تقتضي إفادة واضحة تحت القسم.
النائب روبرت غارسيا يرى أن مبدأ "المساءلة بالتساوي" يتطلب استدعاء كل من ورد اسمه، بغض النظر عن موقعه السياسي. لكن الجمهوريين يعتبرون أن الخطوة ذات دوافع انتخابية، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية.

البعد القانوني.. هل يمكن إجبار رئيس على الشهادة؟
لجنة الرقابة في مجلس النواب تملك صلاحيات استدعاء الشهود والاطلاع على الوثائق الفيدرالية. نظريًا يمكن إصدار مذكرة استدعاء رسمية. لكن عمليًا، قد يتحول الأمر إلى معركة قانونية طويلة إذا قرر ترامب الطعن في الإجراء أمام القضاء.
أي شهادة علنية ستكون حدثًا استثنائيًا، خاصة إذا جرت في مناخ انتخابي متوتر، حيث سيُنظر إليها كمنصة سياسية بقدر ما هي إجراء رقابي.
الجلسة المتوقفة.. تسريب صورة كلينتون يشعل الجدل
في سياق موازٍ، شهدت جلسة استجواب وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون توقفًا مفاجئًا بعد أن قامت النائبة الجمهورية لورين بويبرت بتسريب صورة غير مصرح بها من الجلسة إلى المدون بيني جونسون، الذي نشرها على منصة "إكس".
الحادثة أعادت الجدل حول قواعد السرية داخل اللجنة، وطرحت تساؤلات حول ما إذا كانت القضية تُستخدم كساحة لتصفية حسابات سياسية، بدل أن تكون مسارًا قانونيًا بحتًا.
الجمهوريون رأوا في نشر الصورة خطوة لكسر ما وصفوه بـ"السرية الانتقائية"، بينما اعتبر الديمقراطيون الأمر انتهاكًا لقواعد العمل البرلماني.
كيف ينظر الشعب الأمريكي إلى القضية؟
الرأي العام الأمريكي منقسم بوضوح:
-
شريحة ترى أن كل من ورد اسمه يجب أن يُستدعى، بلا استثناء
-
شريحة تعتبر أن القضية تُستغل سياسيًا لتشويه الخصوم
-
قطاع واسع يشعر بانعدام الثقة تجاه المؤسسات، ويعتقد أن الحقيقة الكاملة لن تُكشف أبدًا
استطلاعات الرأي السابقة أظهرت أن قضية إبستين تُعد من أكثر الملفات التي غذّت مشاعر الشك في النظام السياسي الأمريكي، خاصة بين الشباب والمحافظين المتشككين في "الدولة العميقة".

البعد الانتخابي.. سلاح سياسي مزدوج
استدعاء ترامب – أو حتى مجرد الدعوة لذلك – يحمل تداعيات انتخابية عميقة:
بالنسبة للديمقراطيين:
-
يعزز خطاب "المساءلة فوق الجميع"
-
يضع ترامب في موقف دفاعي
-
يربط اسمه بملف حساس أخلاقيًا
بالنسبة للجمهوريين:
-
يُستخدم كدليل على "استهداف سياسي"
-
قد يعزز تماسك القاعدة المؤيدة لترامب
-
يُصور كجزء من حملة تشويه منظمة
وبالتالي، القضية قد تتحول إلى سلاح انتخابي مزدوج، يخدم الطرفين بطرق مختلفة.
مستقبل القضية.. ثلاثة سيناريوهات محتملة
1. استدعاء رسمي ومواجهة قانونية
قد تصدر اللجنة مذكرة استدعاء، ما يفتح مسارًا قضائيًا قد يمتد لأشهر وربما سنوات.
2. شهادة طوعية بشروط
قد يوافق ترامب على الإدلاء بإفادة محدودة أو مغلقة، لتقليل الكلفة السياسية.
3. احتواء سياسي دون تصعيد
قد تبقى الدعوة في إطار الضغط الإعلامي دون تحوّلها إلى إجراء ملزم.
هل تكشف الوثائق القادمة مفاجآت؟
نشر وزارة العدل دفعات جديدة من الملفات، بينها صور ووثائق، يعزز احتمال ظهور أسماء إضافية أو تفاصيل جديدة قد تغير المعادلة السياسية.
لكن التجربة السابقة تشير إلى أن الكثير من الوثائق يُحجب أو يُنقّح، ما يغذي الشكوك بدل أن يبددها.
أزمة ثقة أعمق من الأسماء
القضية لم تعد فقط حول ترامب أو كلينتون أو أي شخصية بعينها.
إنها اختبار لمدى قدرة النظام الأمريكي على:
-
تطبيق العدالة دون انتقائية
-
الفصل بين السياسة والقانون
-
استعادة ثقة الجمهور
في زمن الاستقطاب الحاد، كل خطوة تُفسر سياسيًا، حتى لو كانت قانونية بحتة.
شهادة ترامب وتأثيرها
دعوة ترامب للشهادة في قضية إبستين ليست حدثًا عابرًا، بل محطة مفصلية في صراع طويل بين منطق الشفافية ومنطق الحسابات السياسية.
القضية تمسّ جوهر الثقة بين الشعب الأمريكي ومؤسساته، وقد تتحول إلى أحد أبرز عناوين المرحلة الانتخابية المقبلة.
يبقى السؤال:
هل تتحول الدعوة إلى استدعاء رسمي؟
وهل يكشف الملف يومًا الحقيقة كاملة؟
أم أن قضية إبستين ستظل رمزًا دائمًا لظلال السلطة التي لا تُضاء بالكامل؟
الأيام القادمة ستحدد ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو كشف أوسع للملف… أم نحو فصل جديد من الصراع السياسي تحت قبة الكونغرس.


