دعا االسيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام إلى استراتيجية ردع شديدة القسوة، تقوم على فرض ما وصفه بـ**«دائرة الموت»** حول الموقع الذي تعتقد واشنطن أن مواد نووية إيرانية مخصبة مدفونة بداخله، بهدف منع أي محاولة إيرانية لاستعادتها أو استخدامها لاحقًا.
الطرح، الذي كشف غراهام أنه ناقشه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقوم على فكرة عسكرية مباشرة: تحديد نطاق محظور حول المكان الذي توجد فيه المواد النووية، ثم التعامل مع أي شخص يدخل هذا النطاق باعتباره هدفًا قاتلًا. وبحسب ما نقلته New York Post، قال غراهام إن المطلوب هو رسم دائرة حول الموقع المؤكد لوجود اليورانيوم، وأن «كل من يدخل هذه الدائرة سيموت» حتى تجد واشنطن طريقة للتعامل مع الملف.
ما هي «دائرة الموت» التي يتحدث عنها غراهام؟
مصطلح «دائرة الموت» لا يعني، حتى الآن، إعلانًا رسميًا عن عملية عسكرية أمريكية جديدة، لكنه يعبر عن تصور متشدد داخل دوائر أمريكية يدفع نحو تحويل الموقع النووي الإيراني المدفون إلى منطقة قتل محظورة، لا يسمح لأي قوة أو فريق أو طرف ثالث بالاقتراب منها.
الفكرة لا تستهدف فقط منع إيران من إنتاج سلاح نووي في المستقبل، بل منعها من الوصول إلى ما يسميه ترامب وغراهام بـ«الغبار النووي» أو بقايا اليورانيوم المخصب المدفون تحت الأنقاض، خشية استخدامه لاحقًا في برنامج نووي أو في تصنيع «قنبلة قذرة» وفق الرواية الأمريكية.
ترامب يرد: الوقت ينفد أمام إيران
لم يأتِ طرح غراهام في فراغ، إذ تزامن مع تحذير شديد اللهجة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كتب فيه عبر منصة Truth Social أن «الوقت ينفد» أمام إيران، وأن عليها التحرك سريعًا، وإلا «لن يبقى منها شيء»، مؤكدًا أن عامل الوقت أصبح حاسمًا.
هذا التحذير يعكس انتقال الخطاب الأمريكي من لغة الضغط السياسي إلى لغة التهديد الوجودي، خصوصًا مع تعثر مسار المفاوضات وتبادل الاتهامات بشأن التزامات إيران المتعلقة بالمواد النووية.

نفق بالقرب من مجمع نطنز النووي
كاميرات من الفضاء ومراقبة لحظة بلحظة
بحسب تقرير New York Post، تحدث ترامب عن قدرات مراقبة أمريكية متقدمة فوق الموقع المستهدف، مشيرًا إلى أن قوات الفضاء الأمريكية تراقب المنطقة بكاميرات عالية الدقة، في تعبير يراد منه التأكيد أن أي تحرك قرب الموقع لن يمر دون رصد.
وهنا تتحول «دائرة الموت» من مجرد عبارة سياسية صادمة إلى تصور عملياتي يعتمد على ثلاث طبقات: مراقبة مستمرة من الفضاء، تحديد نطاق محظور، واستعداد عسكري للتعامل مع أي محاولة اقتراب.
من تدمير المنشآت إلى منع الوصول للركام
الأخطر في الطرح الأمريكي الجديد أنه لا يكتفي بالحديث عن تدمير منشآت نووية أو منع تخصيب اليورانيوم، بل يذهب إلى مرحلة أبعد: حرمان إيران من الوصول إلى المواد المدفونة نفسها.
وبحسب الرواية الأمريكية التي نقلها التقرير، فإن المواد النووية تعرضت للدفن تحت كتل ضخمة من الصخور والأنقاض بعد ضربات أمريكية سابقة استهدفت منشآت إيرانية. ومن هنا يرى غراهام أن السماح لأي طرف بالاقتراب من هذه المنطقة قد يعيد فتح خطر نووي تريد واشنطن إغلاقه نهائيًا.
الحصار البحري يوسع دائرة الضغط
يتزامن هذا التصعيد مع أجواء إقليمية شديدة الخطورة، إذ تشير تقارير إلى استمرار توتر واسع في الخليج، وسط حديث عن حصار بحري أمريكي أثر على الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. كما ربطت تغطيات حديثة بين تهديدات ترامب لإيران وتصاعد المخاوف الإقليمية بعد اتهامات لإيران أو وكلائها بتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة في الخليج.
وبذلك لا تبدو «دائرة الموت» مجرد طوق بري حول موقع نووي، بل جزءًا من خريطة ضغط أوسع: حصار بحري، مراقبة فضائية، تهديدات سياسية، ورسائل عسكرية مفتوحة.
دبلوماسية على حافة النار
رغم لهجة التهديد، لا تزال واشنطن وطهران تتحركان داخل هامش تفاوض شديد الضيق. فترامب يتحدث عن ضرورة تحرك إيران سريعًا، وغراهام يدفع نحو ردع صارم يمنع أي مناورة ميدانية، بينما تبقى المنطقة كلها معلقة بين احتمال الصفقة واحتمال الانفجار.
المفارقة هنا أن واشنطن تتحدث عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكنها تستخدم خطابًا يقترب من إعلان قواعد اشتباك مميتة مسبقة. وهذا يعني أن أي خطأ في الحسابات، أو أي تحرك ميداني قرب الموقع، قد يفتح الباب أمام ضربة جديدة أو مواجهة أوسع.
قراءة المشهد.. لماذا التصعيد الآن؟
طرح غراهام يأتي في لحظة تريد فيها الولايات المتحدة إرسال رسالة مزدوجة: الأولى لإيران بأن زمن المناورة حول المواد النووية انتهى، والثانية للحلفاء في الخليج وإسرائيل بأن واشنطن لن تسمح لطهران باستعادة أي قدرة نووية من تحت الأنقاض.
لكن هذا النوع من الخطاب يحمل مخاطر كبرى؛ لأنه يرفع سقف المواجهة ويجعل التراجع السياسي أكثر صعوبة. فإذا تحولت «دائرة الموت» إلى سياسة رسمية، فستصبح المنطقة المحيطة بالموقع النووي الإيراني نقطة اشتعال دائمة، وأي اقتراب منها قد يُفسر كتصعيد يستدعي ردًا عسكريًا.
الشرق الأوسط أمام دائرة أخطر من الحرب
تصريح ليندسي غراهام عن «دائرة الموت» ليس مجرد جملة مثيرة في مقابلة تلفزيونية، بل مؤشر على مزاج أمريكي أكثر تشددًا تجاه إيران، يريد الانتقال من منع التخصيب إلى منع الاقتراب من بقايا المواد النووية نفسها.
وبين تحذير ترامب بأن الوقت ينفد، ودعوة غراهام إلى طوق مميت، ومراقبة الفضاء، والحصار البحري، يبدو الملف النووي الإيراني في أكثر لحظاته توترًا. فإما أن تفتح الدبلوماسية بابًا أخيرًا قبل الانفجار، أو تتحول «دائرة الموت» من عبارة سياسية إلى واقع عسكري قد يشعل الخليج كله.


