الجمعة، ١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٠٢ م

خامنئي لدول الخليج: أمريكا لن تحميكم

خامنئي يفتح معركة هرمز: رسالة إيرانية للخليج بأن واشنطن لم تعد الضامن الوحيد

وجّه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي رسالة سياسية مباشرة إلى دول الخليج، معلنًا أن فصلًا جديدًا يتشكل في منطقة الخليج ومضيق هرمز، وأن مستقبل المنطقة سيكون ـ بحسب الرؤية الإيرانية ـ بعيدًا عن الوجود الأمريكي. التصريحات، التي نقلتها وسائل إعلام إيرانية وعربية ودولية، جاءت بعد الحرب الإيرانية 2026 ووقف إطلاق نار هش، وفي وقت لا يزال فيه مضيق هرمز، أحد أخطر ممرات الطاقة في العالم، في قلب معادلة الأمن والاقتصاد والتجارة العالمية.

رسالة إيرانية حادة إلى الخليج

قال خامنئي إن إيران وجيرانها على ضفتي الخليج وبحر عمان يشتركون في “مصير مشترك”، معتبرًا أن القوى القادمة من خارج المنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لا تملك مكانًا طبيعيًا في هذه المياه. ونقلت تقارير عربية عن الإعلام الإيراني تأكيده أن طهران ستؤمن منطقة الخليج، وأن “الإدارة الجديدة” لمضيق هرمز ستجلب الهدوء والتقدم والفوائد الاقتصادية لدول المنطقة.

هذه اللغة لم تكن مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل بدت كرسالة موجهة إلى العواصم الخليجية التي تعتمد منذ عقود على المظلة الأمنية الأمريكية، خصوصًا في حماية طرق الملاحة والطاقة. فطهران تحاول تقديم نفسها باعتبارها القوة الإقليمية القادرة على إدارة أمن الخليج، بينما تصوّر الوجود الأمريكي باعتباره مصدرًا للتوتر لا للحماية.

مضيق هرمز في قلب الصراع

تكمن خطورة التصريحات الإيرانية في أنها ترتبط مباشرة بمضيق هرمز، الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. وتشير تقارير دولية إلى أن الأزمة حول المضيق ما زالت شديدة التوتر، مع تعطل جزء كبير من الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التصعيد الإيراني والرد الأمريكي المضاد.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، شدد المرشد الإيراني على أن بلاده ستواصل حماية قدراتها النووية والصاروخية، في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة ووسط محاولات أمريكية لإرساء اتفاق أوسع يحافظ على وقف إطلاق النار الهش.

“أمريكا لا تحميكم”.. المعنى السياسي للرسالة

رغم أن الصياغة المتداولة على منصة X حول أن “أمريكا لا تستطيع حمايتكم ونحن نستطيع” جاءت في منشور سياسي شديد اللهجة، فإن مضمون التصريحات المنقولة عن خامنئي يدور حول الفكرة نفسها: نزع الشرعية عن الدور الأمريكي في الخليج، ودعوة دول المنطقة إلى قبول معادلة أمنية تقودها إيران.

هنا لا تخاطب طهران واشنطن فقط، بل تخاطب الرياض وأبوظبي والمنامة والكويت والدوحة ومسقط أيضًا. الرسالة الضمنية أن زمن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية يجب أن ينتهي، وأن الخليج ـ من وجهة نظر إيران ـ يجب أن يدار بأدوات إقليمية لا بوجود عسكري غربي.

مخاوف خليجية من “ضمانات” إيران

في المقابل، لا تبدو دول الخليج مستعدة لقبول هذه الطمأنة الإيرانية بسهولة. فقد نقلت رويترز عن الإمارات موقفًا متشككًا تجاه قدرة طهران أو نيتها في ضمان حرية الملاحة، مشيرة إلى أن أبوظبي ترى أن الأزمة حول هرمز لا تزال في طريق مسدود، وأن المنطقة تحتاج إلى ضمانات دولية واضحة لحرية الحركة البحرية.

هذا الموقف يعكس فجوة عميقة بين الرؤية الإيرانية والرؤية الخليجية. فبينما تقدم طهران نفسها كقوة حماية إقليمية، ترى عواصم خليجية أن إيران نفسها جزء من مصدر التهديد، خصوصًا مع تاريخ طويل من التوترات المرتبطة بالملاحة، والهجمات البحرية، والملف النووي، وشبكات النفوذ الإقليمي.

الحرب الإيرانية 2026 تغيّر قواعد اللعبة

جاءت تصريحات خامنئي بعد الحرب الإيرانية 2026، التي أعادت رسم حدود القوة والردع في المنطقة. فبعد ضربات أمريكية وإسرائيلية مؤلمة، يحاول النظام الإيراني تحويل الخسائر العسكرية والسياسية إلى خطاب انتصار واستعادة مبادرة، عبر التركيز على مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط استراتيجية.

وتشير تقارير دولية إلى أن خامنئي لم يظهر علنًا منذ إصابته في قصف سابق، لكنه واصل إرسال رسائل سياسية حادة، رافضًا المطالب الأمريكية المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي، ومؤكدًا تمسك إيران بما تعتبره “أصولًا وطنية” لا يمكن التخلي عنها.

النفط يشتعل والأسواق تراقب

أي تصعيد في مضيق هرمز لا يبقى داخل حدود السياسة، بل ينتقل فورًا إلى أسواق الطاقة العالمية. فقد أشارت تقارير إلى ارتفاع أسعار خام برنت فوق مستويات 120 دولارًا للبرميل خلال الأزمة، مع تزايد المخاوف من تعطل الإمدادات وامتداد التأثير إلى التضخم وأسعار الوقود وسلاسل الإمداد.

وهنا يصبح كلام خامنئي عن “إدارة جديدة” للمضيق تهديدًا اقتصاديًا بقدر ما هو إعلان سياسي. فالعالم لا ينظر إلى هرمز كمجرد ممر إقليمي، بل كصمام رئيسي للطاقة العالمية، وأي محاولة لفرض قواعد أحادية عليه قد تشعل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

لماذا الرسالة خطيرة على دول الخليج؟

خطورة الرسالة الإيرانية أنها تضع دول الخليج أمام معادلة صعبة: إما استمرار الاعتماد على الحماية الأمريكية مع ما يحمله ذلك من مخاطر التصعيد مع إيران، أو الانفتاح على ترتيبات أمنية إقليمية تكون طهران طرفًا رئيسيًا فيها، وهو خيار محفوف بالشكوك السياسية والأمنية.

فإيران لا تطرح نفسها هنا كشريك عادي، بل كقوة تريد إعادة تعريف من يملك حق إدارة أمن الخليج ومضيق هرمز. وهذا التحول، إن تُرجم إلى إجراءات ميدانية، قد يعني تغيرًا واسعًا في توازنات المنطقة، وربما زيادة الضغوط على الدول الخليجية في ملفات الطاقة، التجارة، والقواعد العسكرية الأجنبية.

أمريكا بين الردع والتراجع

من جانبها، تجد واشنطن نفسها أمام اختبار جديد. فإذا تراجعت عن حماية حرية الملاحة في هرمز، فقد يُقرأ ذلك إقليميًا كعلامة ضعف. وإذا اندفعت إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، فقد تتحول الأزمة إلى حرب أوسع ترفع أسعار الطاقة وتضرب الاقتصاد العالمي.

ولهذا تبدو المعركة الحالية أقرب إلى اختبار إرادات: إيران تريد فرض قواعد جديدة بعد الحرب، والولايات المتحدة تريد منع طهران من تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز دائمة، بينما تحاول دول الخليج تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا تملك وحدها التحكم في نتائجها.

إعادة تشكيل الأمن في المنطقة

تصريحات علي خامنئي بشأن الخليج ومضيق هرمز ليست مجرد خطاب تعبوي بعد الحرب، بل محاولة واضحة لإعادة تشكيل النظام الأمني في المنطقة. فطهران تقول إن زمن الوجود الأمريكي يجب أن ينتهي، وتعرض نفسها كقوة بديلة لضمان أمن الخليج، بينما ترى أطراف خليجية وغربية أن هذه الطروحات قد تفتح الباب أمام مزيد من الاضطراب وارتفاع أسعار الطاقة وتهديد الملاحة العالمية.

وبين خطاب “المصير المشترك” الإيراني ومخاوف الخليج من الهيمنة، يبقى مضيق هرمز نقطة الاشتعال الأخطر: ممر صغير على الخريطة، لكنه قادر على هز الاقتصاد العالمي بأكمله.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.