الخميس، ١٤ مايو ٢٠٢٦ في ١٢:٣٩ ص

حياة الموت والرعب في إسرائيل.. جيش لا يعرف الهدوء ويستعد لإشعال الجبهات من غزة إلى طهران

في إسرائيل، تبدو الحرب كأنها ليست حدثًا طارئًا، بل أسلوب حياة لا يغيب عن المشهد. لا هدنة كاملة، ولا أفق واضح للسلام، ولا مجتمع قادر على الخروج من دائرة الخوف. وبينما تتصاعد هجمات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، خرج رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير بتصريحات جديدة تعكس حالة التعبئة المستمرة التي يعيشها الاحتلال، مؤكدًا أن الجيش خلق “وضعًا جديدًا” على جميع الجبهات، وأنه مستعد لاستئناف الحرب كلما اقتضت الحاجة.

هذه التصريحات لا تكشف فقط عن رؤية عسكرية، بل عن واقع أعمق: دولة تعيش تحت منطق القوة الدائمة، وجيش ينتقل من جبهة إلى أخرى بلا توقف، ومجتمع يعتاد صوت الإنذار والخنادق والجنود والتعبئة، حتى أصبحت الحياة اليومية محكومة بالخوف، والموت، والرعب، والاستعداد الدائم لانفجار جديد.

إسرائيل بين جبهات مفتوحة وحياة لا تعرف السكينة

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، خلال زيارة إلى شمال الضفة الغربية، إن الجيش الإسرائيلي في حالة جاهزية دفاعية وهجومية مستمرة، من القدس والضفة الغربية إلى طهران. وهي عبارة شديدة الدلالة، لأنها لا تتحدث عن جبهة محددة أو خطر موضعي، بل عن خريطة صراع واسعة تمتد من الداخل الفلسطيني المحتل إلى عمق الإقليم.

تصريحات زمير جاءت في لحظة تتزايد فيها الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، سواء عبر عمليات الجيش أو هجمات المستوطنين، ما يعكس أن الضفة لم تعد هامشًا في المشهد، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة التصعيد الإسرائيلي.

وفي الوقت الذي يعلن فيه الجيش أنه صنع “واقعًا أمنيًا جديدًا”، يعيش الفلسطينيون واقعًا مختلفًا تمامًا: اقتحامات، اعتقالات، ترويع، حصار، عنف مستوطنين، وغياب شبه كامل لأي حماية حقيقية من آلة الاحتلال.

من لبنان إلى غزة.. جيش ينتقل من حرب إلى أخرى

لم تقتصر تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي على الضفة الغربية، بل امتدت إلى لبنان وغزة ومنطقة الليطاني ومناطق أخرى وصفها بأنها ساحات نشاط عسكري مستمرة.

وأكد زمير أن القوات الإسرائيلية تواصل القتال في لبنان وفي منطقة الليطاني، مشيرًا إلى أن الجيش يعمل على “إزالة عشرات المسلحين وتدمير البنية التحتية كل يوم”، بحسب التصريحات المنقولة عنه.

هذه اللغة العسكرية تكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع الحرب كاستثناء، بل كمسار دائم. فكل جبهة تنتهي أو تهدأ مؤقتًا، تفتح بعدها جبهة أخرى. وكل وحدة عسكرية تنهي مهمة في منطقة، تُنقل سريعًا إلى منطقة ثانية، كما أشار زمير إلى أن لواء أنهى معركة ثقيلة في لبنان قبل شهر، نُقل مباشرة إلى مهمة في الضفة الغربية.

هكذا تبدو إسرائيل عالقة في دوامة لا تنتهي: لبنان، غزة، الضفة، القدس، ثم التلويح بطهران. خارطة مشتعلة لا تسمح لا للجنود ولا للمدنيين ولا للمنطقة كلها بالتقاط الأنفاس.

غزة في قلب آلة الحرب الإسرائيلية

في حديثه عن غزة، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إن الجيش يعمل “بشكل عدواني” داخل القطاع، ويواصل القضاء على المسلحين، مؤكدًا أن “المعركة لم تنته بعد”.

هذه العبارة تختصر الكثير من واقع غزة، حيث لا تزال الحرب حاضرة في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة. فالاحتلال لا يتحدث عن نهاية سياسية أو حل إنساني، بل عن استمرار القتال والاستعداد لجولات جديدة. وبينما يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر، يواصل الجيش الإسرائيلي تقديم عملياته باعتبارها “إنجازات”، دون أن يجيب عن السؤال الأهم: إلى أين تقود هذه الحرب؟

إن استمرار الخطاب العسكري بهذا الشكل يعني أن غزة ليست أمام مرحلة تهدئة حقيقية، بل أمام تهديد دائم باستئناف القتال، وتجدد القصف، وتوسيع العمليات، وكأن الحياة في القطاع وفي محيطه محكومة بقرار عسكري قابل للانفجار في أي لحظة.

الضفة الغربية.. تصعيد الجيش والمستوطنين

تكتسب تصريحات زمير خطورتها الأكبر لأنها جاءت من شمال الضفة الغربية، بالتزامن مع اشتداد هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين.

فالضفة الغربية تشهد منذ فترة تصعيدًا متزايدًا، ليس فقط من خلال العمليات العسكرية، بل أيضًا عبر اعتداءات المستوطنين التي تستهدف القرى والممتلكات والأراضي والمواطنين الفلسطينيين. ومع كل تصريح عسكري يتحدث عن “واقع أمني جديد”، يشعر الفلسطينيون بأن هذا الواقع يعني مزيدًا من القيود والعنف والتهجير والاقتحامات.

وبدلًا من أن تكون الضفة مساحة قابلة للتهدئة، تتحول تدريجيًا إلى جبهة مفتوحة، تديرها إسرائيل بمنطق عسكري وأمني خالص، بينما يتراجع الحديث عن الحقوق والسياسة والحلول لصالح لغة السلاح والسيطرة.

من القدس إلى طهران.. خطاب حرب بلا حدود

الأكثر لفتًا في تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هو حديثه عن الجاهزية من القدس والضفة الغربية إلى طهران. فهذه العبارة تضع إيران ضمن الإطار العسكري المباشر للخطاب الإسرائيلي، وتؤكد أن تل أبيب لا تفصل بين الجبهات الفلسطينية واللبنانية والإيرانية.

إنها رسالة تهديد واسعة، لكنها في الوقت نفسه تعكس حالة خوف عميقة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فالدولة التي تعلن استعدادها للحرب على كل الجبهات، تعترف ضمنيًا بأنها تعيش داخل دائرة تهديد دائمة، وأن أمنها لم يعد يتحقق بالاحتلال والقوة، بل يتحول إلى عبء دائم من التعبئة والقلق.

وهنا يظهر جوهر المشهد: إسرائيل تريد أن تبدو قوية، لكنها في الحقيقة تكشف عن مجتمع محاصر بالخوف، وجيش يلهث بين الجبهات، وقيادة لا ترى في المستقبل إلا جولة جديدة من الحرب.

حياة الموت والرعب.. حين تصبح الحرب هوية

الفكرة الأعمق في هذه التصريحات أن إسرائيل تبدو وكأنها لا تعرف الحياة خارج منطق الحرب. فالأجيال هناك تنشأ على أخبار الجبهات، والجيش، والإنذارات، والملاجئ، والخدمة العسكرية، والتهديدات المحيطة. وفي المقابل، يدفع الفلسطينيون الثمن الأكبر من دمهم وبيوتهم وأرضهم وحياتهم اليومية.

الحرب بالنسبة للاحتلال ليست فقط قرارًا عسكريًا، بل أصبحت بنية كاملة تحكم السياسة والإعلام والمجتمع. كل أزمة تُدار بالسلاح، وكل خلاف يُحل بالقصف، وكل فشل سياسي يُغطى بعملية عسكرية جديدة.

لكن هذه المعادلة لا تصنع أمنًا حقيقيًا. إنها تصنع فقط مزيدًا من الخوف. فكلما توسعت إسرائيل في الحرب، اتسعت حولها دائرة العداء. وكلما أعلنت أنها صنعت “واقعًا أمنيًا جديدًا”، ازداد الواقع اشتعالًا وتوترًا وانفجارًا.

جيش في حالة استعداد دائم.. ومجتمع بلا أفق سلام

قال زمير إن الجيش في حالة استعداد وتأهب مستمر، ومستعد لاستئناف الحرب إذا لزم الأمر. هذه الجملة وحدها تكفي لفهم طبيعة المرحلة. فليس هناك حديث عن نهاية للصراع، ولا عن تسوية، ولا عن تهدئة شاملة، بل عن جيش مرابط على جميع الجبهات، ينتظر لحظة العودة إلى القتال.

وهذا يعني أن إسرائيل، رغم كل ما تملكه من تفوق عسكري ودعم غربي، لا تزال عاجزة عن الوصول إلى لحظة اطمئنان حقيقية. فهي تعيش على قوة السلاح، لكنها لا تملك سلامًا. تسيطر على الأرض، لكنها لا تسيطر على الخوف. تهاجم في غزة ولبنان والضفة، لكنها لا تستطيع إغلاق باب الحرب.

 إسرائيل أمام مرآة الحرب التي صنعتها

تصريحات إيال زمير ليست مجرد بيان عسكري عابر، بل مرآة لحالة إسرائيلية كاملة: دولة ترى نفسها في حالة حرب دائمة، وجيش يتنقل بين الجبهات، ومستوطنون يصعدون اعتداءاتهم في الضفة، وغزة لا تزال تحت التهديد، ولبنان حاضر في الحسابات، وطهران في خلفية المشهد.

إنها حياة الموت والرعب التي صنعتها إسرائيل بيدها. فحين يصبح الاحتلال أساس السياسة، تصبح الحرب النتيجة الطبيعية. وحين يغيب العدل، لا يصنع السلاح أمنًا، بل يصنع خوفًا مؤجلًا وانفجارًا دائمًا.

وبينما يتحدث قادة الجيش الإسرائيلي عن “واقع أمني جديد”، تبدو الحقيقة أكثر قسوة: لا واقع جديدًا سوى مزيد من الجبهات، ومزيد من الدم، ومزيد من الرعب، في منطقة لم تعد تحتمل جولة أخرى من الجنون العسكري.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.