إسرائيل تعيد الزج باسم مصر في خطاب التخويف الداخلي
لا يترك بعض الساسة والإعلاميين في إسرائيل فرصة إلا ويعيدون الزج باسم مصر في الخطاب الداخلي، وكأن القاهرة تحولت إلى فزاعة جاهزة للاستخدام كلما احتاجت تل أبيب إلى تعبئة الرأي العام أو تبرير القلق الأمني أو إعادة توجيه النقاش بعيدًا عن أزماتها الداخلية والإقليمية.
ويأتي ذلك رغم أن مصر أعلنت مرارًا وتكرارًا التزامها باتفاقية السلام الموقعة بين البلدين، ورغم أن القاهرة حافظت على مسار سياسي واضح يقوم على حماية الأمن القومي المصري، ورفض التهجير، ودعم التهدئة، وفي الوقت نفسه عدم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
سياسي إسرائيلي يتحدث عن احتمال حرب مع مصر
في أحدث حلقات هذا الخطاب، تحدث أمياد كوهين، مؤسس ورئيس مركز “هيروت” الإسرائيلي، عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين إسرائيل ومصر خلال الأعوام المقبلة، معتبرًا أن التطورات الحالية تستدعي مراقبة مستمرة من جانب تل أبيب.
وجاءت تصريحاته خلال مؤتمر سنوي عقد في القدس لمناقشة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية والتحديات التي تواجه إسرائيل، وهو مؤتمر كان مخصصًا في الأساس لبحث مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، لكنه تحول في جزء منه إلى منصة جديدة للحديث عن مصر بوصفها مصدر قلق استراتيجي.
حديث عن مواجهة خلال 15 عامًا
بحسب ما تم تداوله في وسائل إعلام إسرائيلية، رجح كوهين أن تشهد المنطقة خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة مواجهة عسكرية بين إسرائيل ومصر، حسب تقديره الشخصي.
ويعكس هذا التقدير، حتى لو لم يكن موقفًا رسميًا للحكومة الإسرائيلية، طبيعة التفكير داخل بعض الدوائر السياسية والأمنية في تل أبيب، حيث يتم التعامل مع تنامي القوة المصرية باعتباره قضية يستحق المراقبة المستمرة، لا بوصفه حقًا طبيعيًا لدولة كبرى في حماية حدودها ومصالحها.

انتقاد للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
خلال المؤتمر، انتقد كوهين أداء الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، معتبرًا أن سياساتها سمحت لقوى إقليمية بتعزيز قدراتها العسكرية، ومن بينها مصر.
ومن خلال هذا الرأي، حاول السياسي الإسرائيلي الربط بين تراجع أو ارتباك السياسة الأمريكية في المنطقة، وبين ما يراه صعودًا في قدرات دول إقليمية قد لا تتحرك دائمًا حسب التصور الإسرائيلي للأمن.
مصر في قلب القلق الإسرائيلي
رغم أن مصر ليست في حالة حرب مع إسرائيل، ورغم وجود اتفاقية سلام قائمة منذ عقود، فإن بعض الدوائر الإسرائيلية لا تزال تتعامل مع قوة الجيش المصري باعتبارها مصدر قلق دائم.
وهنا تبدو المفارقة واضحة: إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا كبيرًا ودعمًا أمريكيًا واسعًا، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن قلق متكرر من تطوير الجيش المصري لقدراته الدفاعية، وكأن المطلوب أن تبقى مصر ضعيفة أو مقيدة الحركة حتى تطمئن تل أبيب.
الإعلام الإسرائيلي يسلط الضوء على الجيش المصري
بالتزامن مع تصريحات كوهين، سلطت وسائل إعلام إسرائيلية الضوء مجددًا على تنامي القدرات العسكرية المصرية، والتحركات المرتبطة بتعزيز الوجود العسكري في سيناء.
ونشرت منصة “News1” الإسرائيلية تقريرًا تناول تقديرات أمنية إسرائيلية بشأن القدرات العسكرية المصرية، زاعمة أن صناع القرار في تل أبيب يراقبون عن كثب عمليات التطوير والتحديث التي يشهدها الجيش المصري خلال السنوات الأخيرة.
لماذا تراقب إسرائيل تسليح الجيش المصري؟
حسب ما ورد في التقرير الإسرائيلي، ترى بعض التقديرات داخل إسرائيل أن حجم التسليح والتدريب الذي يشهده الجيش المصري يتجاوز الاحتياجات المرتبطة بالتهديدات التقليدية على الحدود الغربية أو الجنوبية.
وتدفع هذه القراءة دوائر إسرائيلية إلى طرح تساؤلات حول الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى من تحديث الجيش المصري، رغم أن القاهرة تؤكد دائمًا أن امتلاك القدرة العسكرية جزء من حماية الدولة، وليس إعلان نية عدائية تجاه أحد.
مصر دولة كبيرة وليست دولة تابعة
من الطبيعي أن تطور مصر جيشها، فهي دولة محورية في منطقة شديدة الاضطراب، لها حدود واسعة مع ليبيا والسودان وغزة والبحر الأحمر والبحر المتوسط، وتواجه تحديات مرتبطة بالإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الممرات البحرية والطاقة.
لذلك فإن تصوير تحديث الجيش المصري باعتباره تهديدًا مباشرًا لإسرائيل يتجاهل حقائق الجغرافيا والسياسة والأمن القومي، ويختزل كل حركة مصرية في سؤال واحد: هل تهدد إسرائيل؟
سيناء في مركز التحذيرات الإسرائيلية
زعم التقرير الإسرائيلي أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب تتابع باهتمام التحركات العسكرية المصرية في سيناء، إلى جانب عمليات تطوير البنية التحتية والقدرات اللوجستية والعسكرية هناك.
وتأتي هذه الادعاءات في ظل التوترات المتصاعدة منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، واتساع دائرة الصراعات الإقليمية، وعودة ملف محور فيلادلفيا ومعبر رفح إلى واجهة الخلافات بين القاهرة وتل أبيب.
سيناء أمن قومي مصري
بالنسبة لمصر، تمثل سيناء جزءًا أصيلًا من الأمن القومي، وأي تحركات فيها ترتبط أولًا بحماية الأرض المصرية، وتأمين الحدود، ومنع التهريب، والتعامل مع تداعيات الحرب في غزة، ورفض أي سيناريو لتهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية.
وقد أكدت القاهرة في أكثر من مناسبة رفضها أي تغيير في الترتيبات الأمنية على حدود غزة، كما رفضت وجودًا عسكريًا إسرائيليًا دائمًا في محور فيلادلفيا، معتبرة أن مثل هذه التحركات تعقد جهود التهدئة وتؤثر على تشغيل معبر رفح.
مصر ملتزمة بالسلام لكنها لا تتنازل عن أمنها
من المهم التمييز بين أمرين: التزام مصر باتفاقية السلام من جهة، وحقها الكامل في امتلاك جيش قوي قادر على حماية حدودها ومصالحها من جهة أخرى.
فاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية أنهت حالة الحرب بين البلدين وأقامت إطارًا قانونيًا للعلاقات، لكنها لم تلغِ حق مصر في بناء قدراتها الدفاعية أو حماية أمنها القومي في محيط إقليمي شديد التعقيد.

السلام لا يعني الضعف
الرسالة المصرية الواضحة على مدار عقود هي أن السلام خيار استراتيجي، لكنه لا يعني التخلي عن القوة، ولا يعني السماح بتهديد الحدود، ولا يعني قبول مخططات التهجير أو فرض واقع جديد في غزة وسيناء.
وهذا هو ما يربك بعض الدوائر الإسرائيلية: مصر تلتزم بالسلام، لكنها لا تقبل أن يتحول السلام إلى قيد يمنعها من حماية مصالحها أو تطوير قدراتها.
لماذا تستخدم إسرائيل مصر كفزاعة؟
استخدام مصر كفزاعة داخل الخطاب الإسرائيلي يخدم عدة أهداف سياسية وإعلامية.
أولًا، يخلق شعورًا بالخطر الخارجي، وهو أمر تلجأ إليه الحكومات والتيارات السياسية عندما تواجه أزمات داخلية أو انتقادات شعبية.
ثانيًا، يبرر استمرار الإنفاق العسكري والتعبئة الأمنية، عبر تصوير المنطقة كلها وكأنها محاطة بتهديدات متزايدة.
ثالثًا، يضغط على الولايات المتحدة لمنع أي توازن إقليمي لا يصب بالكامل في مصلحة إسرائيل.
ورابعًا، يحاول التأثير على الرأي العام الدولي عبر الإيحاء بأن مصر، رغم التزامها بالسلام، قد تتحول مستقبلًا إلى تهديد.
الإعلام الإسرائيلي بين القلق والتهويل
لا يمكن إنكار أن إسرائيل تتابع بدقة ما يحدث في محيطها، وهذا جزء طبيعي من حسابات أي دولة. لكن المشكلة تظهر عندما تتحول المتابعة إلى تهويل ممنهج، وتتحول قوة مصر الدفاعية إلى مادة لإثارة الخوف.
فبدلًا من قراءة التطور العسكري المصري في سياقه الطبيعي، يتم تقديمه أحيانًا داخل الإعلام الإسرائيلي كإشارة إلى مواجهة قادمة، رغم عدم وجود إعلان رسمي مصري أو تحرك سياسي يشير إلى نية عدائية تجاه إسرائيل.
الفارق بين التحليل والتحريض
هناك فرق واضح بين التحليل الاستراتيجي الذي يدرس موازين القوى، وبين الخطاب التحريضي الذي يستخدم دولة بعينها لتخويف الجمهور.
وما يحدث في بعض التغطيات الإسرائيلية يبدو أقرب إلى صناعة قلق دائم، أكثر من كونه قراءة واقعية لمسار العلاقات المصرية الإسرائيلية.
غزة تزيد حساسية العلاقة بين القاهرة وتل أبيب
أدت الحرب في غزة إلى توتر واضح في العلاقة بين مصر وإسرائيل، خاصة مع الخلافات حول معبر رفح، ومحور فيلادلفيا، وملف المساعدات، ورفض القاهرة القاطع لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء.
لكن هذا التوتر لا يعني أن مصر تسعى إلى الحرب، بل يعني أن القاهرة تتمسك بثوابتها: لا تهجير، لا تصفية للقضية الفلسطينية، لا مساس بالأمن القومي المصري، ولا قبول بفرض واقع جديد على حدودها.
مصر وسيط لا طرف في التصعيد
رغم كل التوترات، واصلت مصر دورها في جهود الوساطة والتهدئة في غزة، إلى جانب قطر والولايات المتحدة، وعملت على تقريب وجهات النظر بين الأطراف، وتسهيل إدخال المساعدات، والدفع نحو وقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين.
وهذا الدور ينسف فكرة تصوير مصر كطرف يسعى إلى التصعيد، إذ إن القاهرة تتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا لخفض التوتر، لا لفتح جبهة جديدة.
ماذا تريد إسرائيل من هذا الخطاب؟
قد يكون الهدف من تضخيم الحديث عن مصر هو إرسال رسائل متعددة في أكثر من اتجاه: إلى الداخل الإسرائيلي، وإلى واشنطن، وإلى القاهرة نفسها.
للداخل، يتم تقديم مصر كخطر محتمل يستوجب اليقظة.
ولواشنطن، يتم إرسال رسالة مفادها أن دعم مصر أو السماح بتوسع قدراتها يجب أن يبقى تحت المراجعة.
وللقاهرة، يحمل الخطاب محاولة ضغط غير مباشرة، خاصة في ملفات غزة وسيناء ومحور فيلادلفيا.
قراءة مصرية هادئة للمشهد
من زاوية مصرية، لا ينبغي التعامل مع كل تصريح إسرائيلي باعتباره مؤشرًا على حرب قادمة، فالكثير من هذه التصريحات يدخل في إطار المزايدات السياسية والإعلامية.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل تحاول بناء سردية أمنية حول مصر، وهي سردية تحتاج إلى تفكيك إعلامي وسياسي هادئ يوضح أن القاهرة ليست خصمًا يبحث عن حرب، لكنها دولة لا تقبل المساس بأمنها.
إسرائيل تستخدم مصر كفزاعة داخلية،
تستخدم بعض الدوائر السياسية والإعلامية في إسرائيل اسم مصر كفزاعة داخلية، رغم التزام القاهرة المتكرر باتفاقية السلام، ورغم استمرارها في لعب دور الوسيط في أزمة غزة.
والحديث المتكرر عن مواجهة عسكرية محتملة بين مصر وإسرائيل يبدو أقرب إلى خطاب تعبوي يخدم أغراضًا سياسية داخلية وإقليمية، أكثر من كونه قراءة واقعية لموقف القاهرة.
فمصر اختارت السلام منذ عقود، لكنها في الوقت نفسه اختارت القوة لحماية أرضها وحدودها ومصالحها، وهذه هي المعادلة التي لا يريد بعض الساسة في إسرائيل فهمها: السلام لا يعني الضعف، والقوة لا تعني الرغبة في الحرب.


