الأحد، ١٠ مايو ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٤ م

توبيخ مهندس شاب أمام الكاميرات.. حين يصبح التوتر الإنساني موضع إدانة لا تقدير

كرامة أصحاب الجهد قبل وهج الكاميرات

في مشهد أثار تعاطفًا واسعًا وغضبًا مكتومًا، وجد مهندس شاب نفسه في مواجهة توبيخ علني أمام الكاميرات، لا لفساد ارتكبه، ولا لتقصير مثبت في عمله، بل لأنه ارتبك في لحظة ضغط، وهو يقف أمام عدسات التصوير ومسؤولين وحضور ومتابعة عامة.

شاب في الثامنة والثلاثين من عمره، أفنى وقته وجهده في مشروع قومي كبير، وساهم ضمن فريق عمل يتحمل مسؤولية ثقيلة في التنفيذ والمتابعة والإنجاز، ثم كانت لحظة ظهوره أمام الكاميرات كافية لأن يتحول توتره الطبيعي إلى مشهد توبيخ علني، وكأن الارتباك جريمة، وكأن الإنسان مطالب بأن يكون آلة صلبة لا تتأثر بالموقف أو رهبة اللحظة.

التوتر لا ينتقص من الكفاءة

التوتر موقف إنساني طبيعي، لا ينتقص من الكفاءة، ولا يمحو سنوات التعب، ولا يلغي ساعات السهر، ولا ينسف مجهود من يعملون في صمت بعيدًا عن الأضواء.

ليس كل من ارتبك فاشلًا، وليس كل من تلعثم مقصرًا، وليس كل من لم يحسن الحديث أمام الكاميرا عاجزًا عن العمل والإنجاز. هناك من يبنون أكثر مما يتكلمون، ومن ينجزون في الميدان أكثر مما يجيدون الظهور الإعلامي.

والمهندس مينا، كما بدا من حالة التعاطف معه، لم يكن يقف أمام الكاميرا لاستعراض بطولة شخصية، بل كان واحدًا من رجال الإنجاز الحقيقيين الذين يعملون خلف المشهد، في مواقع التنفيذ، وبين الخرائط، والخرسانة، والمواعيد، والضغط، والمسؤولية.

لا تهينوا من يبنون في صمت

المشروعات الكبرى لا تقوم فقط بقرارات المسؤولين، ولا بخطابات المنصات، ولا بالصور الرسمية، بل تقوم على أكتاف آلاف المهندسين والفنيين والعمال والإداريين، الذين يتحملون ضغط التفاصيل اليومية، ويتعاملون مع مشكلات الموقع، والتأخير، والتوريد، والتنفيذ، والجودة، والمواعيد النهائية.

هؤلاء لا يظهرون كثيرًا، لكن غيابهم يعني توقف الإنجاز. لذلك فإن احترامهم ليس مجاملة، بل واجب. وتقديرهم لا يجب أن يكون فقط عند افتتاح المشروع، بل في كل لحظة عمل، وفي كل موقف مراجعة أو ملاحظة أو تصحيح.

النقد حق، والمحاسبة واجبة، وتقييم الأداء ضروري، لكن لا يجوز أن تتحول الملاحظة إلى إهانة، ولا أن يكون التوجيه العلني سببًا في كسر إنسان أمام زملائه والناس.

المنصب لا يسبق الإنسان

احترام الإنسان يجب أن يسبق أي منصب، وأي كاميرا، وأي رغبة في إظهار الحزم أمام الجمهور. فالحزم الحقيقي لا يعني رفع الصوت أو إحراج العاملين، بل يعني بناء منظومة منضبطة تحاسب بوضوح، وتوجه باحترام، وتفرّق بين الخطأ المهني والتوتر الإنساني.

القيادة ليست فقط قدرة على إصدار الأوامر، بل قدرة على احتواء الموقف، ورفع كفاءة الفريق، وحماية معنويات من يعملون تحت الضغط. فالإنسان الذي يشعر أن كرامته محفوظة يكون أكثر قدرة على العطاء، أما من يُكسر علنًا فقد يفقد ثقته بنفسه، حتى لو كان من أكفأ العاملين.

ثقافة الإدارة العامة

واقعة توبيخ مهندس شاب أمام الكاميرات تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول ثقافة الإدارة العامة، وحدود النقد، وطريقة التعامل مع أصحاب الجهد الحقيقي في مواقع العمل.

قد يخطئ الموظف، وقد يرتبك المهندس، وقد يحتاج المسؤول إلى توجيه أو تصحيح، لكن كرامة الناس ليست تفصيلًا صغيرًا. فالمهندس الذي يبني مشروعًا قوميًّا يستحق أن يُحاسب بعدل، وأن يُوجه باحترام، لا أن يتحول توتره أمام الكاميرات إلى مشهد إهانة علنية.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.