الثلاثاء، ١٩ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٦ م

«تماسيح بحيرة ناصر».. ثروة نائمة أم شماعة لأزمة السمك في مصر؟

في بحيرة ناصر، ذلك الخزان المائي الهائل جنوب مصر، تعود بين حين وآخر قصة مثيرة تشعل مواقع التواصل: عشرات الآلاف من التماسيح تعيش في البحيرة، تلتهم أجود أنواع السمك، بينما المواطن يواجه أسعارًا مرتفعة ويبحث عن وجبة بروتين رخيصة. القصة صادمة، والحسابات المتداولة أكثر صدمة: 40 ألف تمساح، وكل تمساح يأكل 10 كيلوجرامات يوميًا، أي 400 طن سمك كل يوم، و146 ألف طن سنويًا. لكن بين الغضب الشعبي والحقيقة العلمية، توجد مساحة كبيرة تحتاج إلى فرز دقيق: ما المؤكد؟ وما المبالغ فيه؟ وهل الحل في صيد التماسيح، أم في إدارة البحيرة بذكاء يحافظ على البيئة ويحوّل الأزمة إلى مورد اقتصادي؟

بحيرة ناصر.. مليون فدان ماء وثروة لا تُدار كما يجب

بحيرة ناصر تُعد واحدة من أهم المصادر الطبيعية للثروة السمكية النظيفة في مصر، وتنتج وفق طلب إحاطة برلماني نُشر في 2023 نحو 30 ألف طن أسماك سنويًا، مع وجود أكثر من 50 نوعًا من الأسماك، من بينها البلطي النيلي، والبلطي الجاليلي، وقشر البياض، والبياض، والشال، وغيرها. كما أشار الطلب إلى أن متوسط إنتاجها في فترات سابقة كان نحو 52 ألف طن، وأن دراسات ترى إمكانية وصول الإنتاج إلى 50 ألف طن سنويًا إذا أُحسنت الإدارة والرقابة ومقاومة الصيد الجائر.

وفي تقرير آخر لبوابة الأهرام، قُدّر إنتاج البحيرة بنحو 30 ألف طن سنويًا، مع تأكيد أن إمكانيات البحيرة قد تسمح بإنتاج أعلى بكثير، وأن مشكلات الصيد الجائر وضعف التنظيم وتراجع الزريعة والتعديات على المنظومة السمكية لا تقل خطورة عن ملف التماسيح نفسه.

الرقم الصادم.. هل يوجد فعلاً 43 ألف أو 80 ألف تمساح؟

الرقم المتداول عن وجود 40 ألفًا أو 43 ألفًا أو 80 ألف تمساح في بحيرة ناصر ليس رقمًا محسومًا رسميًا بصورة حديثة ودقيقة. بعض التقارير القديمة تحدثت عن تقديرات متضاربة، وبعضها نسب أرقامًا كبيرة إلى دراسات أو آراء خبراء، بينما حذرت مقالات علمية وصحفية من التعامل مع رقم 80 ألف تمساح باعتباره حقيقة نهائية بلا سند كافٍ. المصري اليوم نشرت مقالًا للدكتور نادر نور الدين وصف فيه رواية «80 ألف تمساح تأكل أسماك البحيرة» بأنها بلا مرجع علمي واضح، وأشار إلى دراسة بجامعة أسوان عام 2020 تنفي تحميل التماسيح وحدها مسؤولية نقص الإنتاج السمكي.

لكن في المقابل، هناك تصريحات وتقارير حكومية وصحفية قديمة تحدثت عن أعداد كبيرة. ففي 2017، نقل اليوم السابع عن منسق إدارة الحماية البرية بوزارة البيئة أن عدد التماسيح في بحيرة ناصر وصل إلى أكثر من 32 ألف تمساح، وأن وزارة البيئة كانت تعمل على مشروع للاستفادة منها اقتصاديًا عبر مزارع ومنتجات جلد ولحوم، مع إعادة حصر الأعداد وأماكن البيض.

«الحسبة الشعبية».. 146 ألف طن سمك في بطون التماسيح؟

الحسبة المنتشرة تقول:
40 ألف تمساح × 10 كيلوجرامات سمك يوميًا = 400 طن يوميًا.
400 طن × 365 يومًا = 146 ألف طن سنويًا.

ظاهريًا، الحسبة مرعبة. لكنها تصطدم بمشكلة علمية ومنطقية: ليست كل التماسيح بالغة، وليست كل التماسيح تأكل 10 كيلوجرامات يوميًا طوال العام، وليست الأسماك وحدها هي الغذاء الوحيد للتمساح، كما أن معدل الأكل يختلف حسب الحجم والعمر والحرارة وفترات النشاط. لذلك، فإن تحويل كل تمساح إلى «ماكينة أكل يومية ثابتة» يعطي رقمًا دراميًا لكنه لا يكفي لصنع سياسة عامة.

بوابة الأهرام نقلت عن خبير موارد مائية أن رقم 40 إلى 80 ألف تمساح مبالغ فيه إذا جرى ربطه بحساب 10 كيلوجرامات يوميًا لكل تمساح، لأن ذلك يعني إنتاجًا سمكيًا يفوق بكثير الإنتاج الطبيعي المتداول للبحيرة، ما يجعل الحسبة بحاجة إلى حصر ميداني دقيق لا إلى تقديرات عاطفية.

الحقيقة الصعبة.. التماسيح ليست بريئة تمامًا وليست المتهم الوحيد

الحديث المتوازن لا يبرئ التماسيح بالكامل ولا يجعلها الشيطان الوحيد في البحيرة. التمساح النيلي مفترس قمة، والأسماك جزء مهم من غذائه، ومن الطبيعي أن يؤثر وجود أعداد كبيرة منه على الثروة السمكية إذا خرجت الكثافة عن التوازن البيئي. لكن الخبراء يشيرون أيضًا إلى أن أسباب تراجع إنتاج بحيرة ناصر تشمل الصيد الجائر، ضعف الرقابة، عدم الالتزام بفترات الراحة البيولوجية، نقص المفرخات والزريعة، ومشكلات التبريد والتصنيع والتسويق.

هنا تظهر المشكلة الحقيقية: مصر لا تحتاج إلى «مجزرة تماسيح» ولا إلى ترك الملف بلا إدارة، بل تحتاج إلى حصر علمي شفاف، ونظام مراقبة، وخطة اقتصادية وبيئية تجعل التمساح موردًا لا عبئًا، وتحمي في الوقت نفسه مخزون السمك وحقوق الصيادين والمستهلكين.

لماذا لا تصطاد مصر التماسيح وتبيع الجلود؟

الفكرة جذابة جدًا: جلد التمساح النيلي من أغلى الجلود عالميًا، ولحمه مطلوب في بعض الأسواق، ومزارع التماسيح يمكن أن تتحول إلى صناعة وسياحة ومنتجات تصديرية. لكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ لأن التمساح النيلي مرتبط باتفاقية سايتس CITES المنظمة للاتجار الدولي في الأنواع المهددة، ومصر — وفق تقارير وزارة البيئة المنشورة صحفيًا — كانت تسعى إلى نقل التمساح من وضع يمنع المساس به إلى وضع يسمح بالاتجار فيه بشروط محددة، كما يحدث في دول أفريقية أخرى.

وبحسب اليوم السابع، كانت وزارة البيئة قد حددت 160 فدانًا لتنفيذ برنامج وطني لمزارع التماسيح النيلية، يشمل مراحل للدراسات والإنشاء، والاستفادة من اللحوم والجلود، لكن وفق ضوابط واتفاقيات دولية لا تسمح بالصيد العشوائي ولا بالاتجار غير المنظم.

مزارع التماسيح.. الحل الذكي بدل الصيد العشوائي

الحل الأقرب للعقل ليس أن تُفتح البحيرة لصيد شامل، بل أن يُدار الملف عبر مزارع تماسيح مرخصة وبرنامج حصر علمي، يبدأ بجمع البيض أو الصغار وفق ضوابط بيئية، وتربيتها في مزارع متخصصة، ثم الاستفادة من الجلود واللحوم والسياحة والبحث العلمي.

هذا النموذج يمكن أن يحقق عدة مكاسب في وقت واحد:
يقلل الضغط على البحيرة دون تدمير التوازن البيئي، يفتح بابًا لصناعة جلود عالية القيمة، يخلق فرص عمل في أسوان والأقصر وأبوسمبل، يحول التمساح من كائن «ممنوع الاقتراب» إلى أصل اقتصادي منضبط، ويمنح مصر ملفًا جديدًا في السياحة البيئية.

لكن الشرط الأساسي هو ألا يتحول المشروع إلى فوضى أو صيد غير شرعي، لأن أي خلل في ملف الحياة البرية قد يضر بسمعة مصر دوليًا ويصطدم باتفاقيات حماية الأنواع.

السمك أرخص من الفول؟ الفكرة ممكنة لكن ليست بهذه البساطة

الطرح الشعبي يقول إن إزالة التماسيح وزيادة الزريعة قد تجعل كيلو البلطي أو قشر البياض يصل للمستهلك بسعر شديد الانخفاض. الفكرة من حيث الاتجاه صحيحة: زيادة الإنتاج المحلي من بحيرة ناصر والبحيرات الشمالية يمكن أن تخفض الضغط على الاستيراد والأسعار. لكن تحديد سعر مثل 6 جنيهات للكيلو يحتاج إلى حسابات واقعية تشمل الوقود، الصيد، العمالة، النقل، التبريد، الهالك، التسويق، هامش التاجر، وتكلفة الإدارة.

الأقرب للتحقيق هو أن تتحول بحيرة ناصر إلى مصدر أكبر للبروتين الرخيص نسبيًا، لا أن نعد المواطن بسعر رمزي قد لا يصمد أمام السوق. المطلوب خطة إنتاج وتوزيع حكومية تضمن وصول الأسماك النظيفة إلى المجمعات والأسواق بسعر عادل، بدل أن تظل البحيرة ثروة بعيدة عن طبق المواطن.

بحيرات مصر الأخرى.. المشكلة أكبر من التماسيح

لا يمكن النظر إلى بحيرة ناصر وحدها بمعزل عن باقي البحيرات. فمصر تمتلك بحيرات مهمة مثل المنزلة، والبرلس، ومريوط، وإدكو، وقارون، والبردويل، وغيرها. وبعض هذه البحيرات عانى لسنوات من التلوث، والتعديات، وانسداد البواغيز، والصرف، وتجفيف أجزاء من المسطح المائي، ما أدى إلى تراجع الإنتاج أو تدهور الجودة.

لذلك، فإن سؤال السمك في مصر ليس: «ماذا نفعل في التماسيح فقط؟» بل: كيف نعيد إدارة البحيرات كلها كأمن غذائي؟ كيف نمنع الصيد الجائر؟ كيف نرفع جودة المياه؟ كيف نوفر الزريعة؟ كيف ننشئ سلاسل تبريد حقيقية؟ وكيف نمنع أن يخرج السمك من البحيرة رخيصًا ثم يصل للمواطن بسعر مرتفع؟

المغرب يصدر ومصر تستورد.. درس في إدارة القيمة

المقارنة مع دول مثل المغرب تكشف جوهر الأزمة. فالقيمة لا تأتي من وجود المياه فقط، بل من سلسلة كاملة: صيد منظم، تصنيع، تعليب، تجفيف، تبريد، تصدير، استغلال المخلفات في الأعلاف، وبناء علامة تجارية. أما في مصر، فالمشكلة ليست ندرة الموارد فقط، بل ضعف تعظيم القيمة المضافة في كثير من الملفات.

بحيرة ناصر قادرة على أن تكون مشروعًا قوميًا للبروتين، والبحيرات الشمالية قادرة على أن تستعيد جزءًا كبيرًا من دورها، لكن ذلك لن يحدث بالحسابات الغاضبة فقط، بل بسياسة واضحة تربط البيئة بالاقتصاد وبسعر الغذاء على مائدة المواطن.

ماذا يجب أن تفعل الدولة الآن؟

المطلوب أولًا حصر علمي معلن لأعداد التماسيح في بحيرة ناصر، يحدد العدد، والأحجام، ومناطق التكاثر، ونسبة الاستهلاك الفعلية من الأسماك، وتأثيرها مقارنة بالصيد الجائر والعوامل الأخرى.

والمطلوب ثانيًا إطلاق برنامج وطني لمزارع التماسيح، بالشراكة مع خبراء بيئة واقتصاد وسياحة، وبما يتوافق مع اتفاقية سايتس، بدل ترك الملف بين «ممنوع تمامًا» و«اصطادوا كل شيء».

والمطلوب ثالثًا خطة إنقاذ سمكية لبحيرة ناصر تشمل زيادة الزريعة، تحديث موانئ الصيد، إنشاء مصانع ثلج وتبريد وتعليب، منع التهريب والصيد الجائر، وربط الإنتاج بمنافذ بيع حكومية أو تعاونية.

والمطلوب رابعًا تطهير وتطوير البحيرات الأخرى، لأن الأمن الغذائي لا يُبنى على بحيرة واحدة مهما كانت عظيمة.

 التمساح ليس عدوًا.. العدو هو سوء الإدارة

قصة تماسيح بحيرة ناصر صادمة لأنها تلمس وجعًا حقيقيًا: المواطن يريد سمكًا نظيفًا بسعر معقول، ويرى أمامه بحيرة ضخمة لا تعطيه ما يتناسب مع حجمها. لكن تحويل التمساح إلى المتهم الوحيد قد يخفي عيوبًا أكبر في الإدارة والصيد والتسويق والرقابة.

الحقيقة المؤكدة أن بحيرة ناصر ثروة هائلة، وأن التماسيح جزء من هذه الثروة وجزء من المشكلة في الوقت نفسه. والحل ليس في تركها تلتهم ما تشاء، ولا في مطاردة عشوائية تنتهك البيئة والاتفاقيات، بل في مشروع قومي ذكي: حصر، إدارة، مزارع، سياحة، جلود، لحوم، وزيادة إنتاج السمك للمواطن.

عندها فقط يمكن أن تتحول الحكاية من «تماسيح تأكل رزق المصريين» إلى «ثروة مصرية تُدار بعقل»، ويصبح السؤال الحقيقي ليس: كم تمساحًا في البحيرة؟ بل: كم مليارًا ضاعت لأننا لم نعرف كيف نديرها؟

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.