تصاعد الخطاب الأمني والإعلامي داخل إسرائيل، كشفت صحيفة معاريف العبرية عن حالة «قلق بالغ» تسود الأوساط السياسية والعسكرية، على خلفية تقديرات تتحدث عن احتمال انتقال حركة أنصار الله (الحوثيين) من نمط الضغط غير المباشر إلى العمل البري المباشر، وصولًا إلى تنفيذ هجمات عند حدود إسرائيل.
التقرير، الذي جاء بصيغة تحذيرية لافتة، لا يمكن فصله عن مناخ عام يجري بناؤه داخليًا، يقوم على فكرة أن إسرائيل باتت مهددة بحرب دائمة ومتعددة الجبهات، وأن المرحلة المقبلة تتطلب استعدادًا استثنائيًا، سياسيًا وعسكريًا ونفسيًا.
اجتماع أمني طويل… ورسائل أبعد من اليمن
بحسب «معاريف»، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعًا أمنيًا مطولًا، امتد من الخامسة مساءً حتى ساعات متأخرة من الليل، بمشاركة القيادات العسكرية والاستخباراتية، وذلك لأول مرة منذ عودته من زيارته إلى الولايات المتحدة.
الاجتماع لم يقتصر على جبهة واحدة، بل تناول استعدادات إسرائيل لاحتمال القتال المتزامن على أربع جبهات:
-
إيران
-
اليمن
-
لبنان
-
غزة
ووفق الصحيفة، فإن الرسالة الأساسية التي خرج بها الاجتماع هي أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تستعد لسيناريو “الحرب الشاملة المتدرجة”، دون إعطاء أولوية حاسمة لجبهة على حساب أخرى.
بناء “بنوك أهداف” واستعداد بلا ترتيب أولويات
نقلت «معاريف» عن مصادر عسكرية أن الجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) والموساد، يعمل حاليًا على:
-
بناء بنوك أهداف مستقلة لكل جبهة
-
تطوير قدرات عملياتية مخصصة لمواجهة سيناريوهات مختلفة
-
رفع الجاهزية دون تحديد “العدو الأول” بشكل نهائي
هذا النهج يعكس، وفق محللين، تحولًا في العقيدة الإسرائيلية: من التركيز على تهديد مركزي واحد، إلى الاستعداد الدائم للاشتباك المتزامن مع عدة أطراف، حتى لو اختلفت طبيعة المواجهة وحدّتها.
الحوثيون في قلب الخطاب: من الصواريخ إلى القوات البرية
الجزء الأكثر إثارة في تقرير «معاريف» كان المتعلق بجبهة اليمن. إذ أكدت الصحيفة أن:
-
إسرائيل ترصد ما وصفته بـ«عملية تعلّم وتراكم خبرات» لدى الحوثيين
-
الحركة، رغم أزماتها الداخلية وتوترها مع السعودية، تواصل تحدي إسرائيل
-
التحدي لا يقتصر على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بل قد يمتد إلى إرسال قوات برية
وتقول الصحيفة إن التقديرات الإسرائيلية لا تستبعد سيناريو تسلل أو هجوم بري رمزي، حتى لو كان تأثيره العسكري محدودًا، لما يحمله من أثر نفسي وإعلامي كبير داخل إسرائيل.
مناورات تحاكي “الأسوأ”
في هذا السياق، كشفت «معاريف» أن الجيش الإسرائيلي أجرى مؤخرًا مناورة واسعة النطاق في إطار الفرقة 80 التابعة للقيادة الجنوبية، والمسؤولة عن حماية الحدود مع مصر والأردن.
المناورة شملت سيناريوهات بالغة الحساسية، من بينها:
-
تسلل قوات معادية
-
السيطرة على مواقع ونقاط عسكرية
-
التسلل إلى مدينة سياحية
-
احتجاز أسرى وتنفيذ عمليات قتل
ووفق التقرير، فإن أحد السيناريوهات التي تم التدريب عليها كان تورط قوات حوثية في هذه العمليات، في مؤشر واضح إلى تضخيم التهديد اليمني ضمن الوعي الأمني الإسرائيلي.
إيران: القلق الأكبر ولكن بحسابات دقيقة
على جبهة إيران، عرض الجيش والموساد تقييمًا اعتبره التقرير «مختلفًا جذريًا» عن تقديرات سابقة.
فبحسب «معاريف»، ترى إسرائيل أن ما يجري في الداخل الإيراني:
-
ليس احتجاجًا عابرًا
-
ولا يشبه أحداث 2018 أو تحركات طلابية محدودة
-
بل احتجاجات واسعة النطاق تشارك فيها شرائح مؤثرة من المجتمع
هذا التقييم يضع إسرائيل أمام معادلة حساسة:
-
عدم التدخل العلني كي لا توحّد الداخل الإيراني ضد “العدو الخارجي”
-
وفي الوقت نفسه الاستعداد لكل سيناريو، بما في ذلك التصعيد الإقليمي
ولهذا، طُلب من سلاح الجو والبحرية رفع الجاهزية دفاعيًا وهجوميًا، في إطار ما تسميه إسرائيل جبهة “الدائرة الثالثة”.
لبنان: الجبهة التقليدية تعود إلى الواجهة
رغم تعدد الجبهات، بقي لبنان حاضرًا بقوة في المداولات.
وعرض الجيش الإسرائيلي ما وصفه بـ:
-
«خروقات حزب الله»
-
استمرار تمركزه على جانبي نهر الليطاني
وطرحت القيادة العسكرية عدة بدائل للعمل، مع تكليف:
-
قيادة الشمال
-
شعبة الاستخبارات (أمان)
-
سلاح الجو
بتعميق فرضيات الجاهزية، تحسبًا لأي قرار سياسي بالتصعيد.
الإعلام كجزء من المعركة
قراءة تقرير «معاريف» لا تكتمل دون التوقف عند دور الإعلام الإسرائيلي نفسه.
فالتصعيد في اللغة، وتوسيع دائرة التهديدات، وربط الحوثيين بإيران ولبنان وغزة، يخدم أهدافًا عدة:
-
تهيئة الرأي العام لحروب طويلة أو متقطعة
-
تبرير ميزانيات وتسليح إضافي
-
نقل صورة أن إسرائيل “محاصرة” وتدافع عن وجودها
وهو خطاب يتكرر كلما دخلت المنطقة مرحلة توتر، لكنه اليوم أكثر حدّة واتساعًا.
من الاستعداد إلى التطبيع مع الحرب
ما تكشفه «معاريف» يتجاوز مجرد تقرير أمني. نحن أمام:
-
تطبيع تدريجي لفكرة الحرب الدائمة
-
استعداد نفسي وإعلامي لاحتمال الاشتعال المتزامن
-
غياب أفق سياسي واضح، مقابل تصعيد أمني مستمر
وبين تهديد الحوثيين، واحتمالات إيران، وجبهة لبنان، واستمرار الحرب في غزة، يبدو أن إسرائيل لا تستعد فقط لمعركة قادمة، بل لحقبة كاملة تُدار فيها المنطقة بمنطق الطوارئ الدائمة.


