في واحدة من أكثر الشهادات إحراجًا للدبلوماسية الدولية المعاصرة، كشفت فيونا هيل، الرئيسة السابقة لموظفي رئيسة الوزراء البريطانية، عن واقعة تعكس مبكرًا طبيعة الحذر العالمي في التعامل مع دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الأقوى نفوذًا في العالم.
فخلال حديث إعلامي، أكدت فيونا هيل أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي رفضت بشكل قاطع منح ترامب رقم هاتفها الشخصي أثناء توليها رئاسة الحكومة، في خطوة اعتُبرت آنذاك رسالة صامتة تعكس مخاوف حقيقية من أسلوبه غير التقليدي في إدارة العلاقات السياسية.
كواليس الرفض… حذر مبكر من “دبلوماسية الهاتف”
وخلال مقابلة مع برنامج Today على إذاعة BBC Radio 4، أوضحت هيل أنها كانت شاهدة مباشرة على الواقعة، مؤكدة أن ترامب طلب بالفعل رقم الهاتف الشخصي لماي، لكن الأخيرة تعاملت مع الأمر ببرود محسوب، ورفضت الطلب دون إثارة ضجة.
وقالت هيل:
“طلب الرقم… لكن تيريزا، كعادتها، لم تُعطه إياه”.
هذا الرفض لم يكن إجراءً بروتوكوليًا عابرًا، بل جاء في سياق أوسع من القلق الأوروبي المتزايد تجاه أسلوب ترامب، الذي كسر مرارًا الأعراف الدبلوماسية التقليدية، واستبدلها بقنوات اتصال شخصية مباشرة، غالبًا ما تتحول لاحقًا إلى أداة ضغط أو إحراج علني.

نشر الرسائل الخاصة… شرارة الغضب الدولي
وتأتي هذه الشهادة في توقيت بالغ الحساسية، بعد أن فجّر ترامب جدلًا واسعًا بنشره رسائل نصية خاصة تلقاها من عدد من قادة العالم، في خضم التوتر المتصاعد حول ملف غرينلاند.
وشملت الرسائل شخصيات بارزة، من بينها:
-
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي حلف شمال الأطلسي مارك روته
-
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
-
رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستوره
وتضمنت هذه المراسلات إشادات شخصية مبالغًا فيها، ودعوات خاصة، مثل دعوة ماكرون لترامب لتناول العشاء في باريس، الأمر الذي وضع القادة المعنيين في مواقف سياسية محرجة أمام شعوبهم.
لماذا يسعى القادة للتواصل المباشر مع ترامب؟
من جانبه، قدّم سام وايت، الرئيس السابق لموظفي زعيم حزب العمال البريطاني، تفسيرًا لهذا السلوك، مؤكدًا أن طبيعة ترامب القيادية تدفع القادة للبحث عن قنوات اتصال مباشرة معه.
وقال وايت في تصريحات إذاعية:
“ترامب يدير الأمور بمفرده تقريبًا… قد تتفق مع مساعديه، لكنهم لا يعرفون أحيانًا ما الذي يدور في ذهنه”.
وأوضح أن هذا النمط يجعل بعض القادة يشعرون بأن الوصول الشخصي إلى ترامب قد يكون الطريق الوحيد لضمان تمرير المواقف أو تفادي التصعيد، حتى لو تطلب الأمر لغة مجاملة مبالغ فيها.
الإطراء… سلاح دبلوماسي محفوف بالمخاطر
غير أن وايت حذّر من أن هذا الأسلوب ينقلب سريعًا إلى عبء سياسي داخلي، بمجرد كشف هذه الرسائل أو تسريبها، وهو ما يفسر موجة الغضب الحالية بين القادة الذين وجدوا أنفسهم في موقف محرج بعد نشر ترامب لتلك المراسلات.
وأشار إلى تجربة سابقة تعود إلى الأزمة المالية العالمية، حين نجحت كريستين لاغارد، وزيرة المالية الفرنسية آنذاك، في الحصول على رقم الهاتف الشخصي لوزير الخزانة البريطاني أليستر دارلينغ، لدرجة أنها كانت تراسله بكثافة دفعت الأخير للتفكير في تغيير رقمه.

دبلوماسية بلا وسطاء… عالم على حافة الإحراج
تكشف هذه الشهادات عن جانب خفي من السياسة الدولية الحديثة، حيث تتداخل العلاقات الشخصية مع القرارات السيادية، وتتحول الرسائل الخاصة إلى أدوات ضغط علني. كما تعيد طرح سؤال جوهري:
هل باتت الدبلوماسية التقليدية عاجزة أمام زعماء يديرون العالم عبر هواتفهم الشخصية؟
ما فعلته تيريزا ماي قبل سنوات يبدو اليوم، في ضوء هذه التطورات، قرارًا استباقيًا يعكس قراءة دقيقة لطبيعة رجلٍ لا يعترف بالحدود بين الخاص والعام.


