الأربعاء، ١٣ مايو ٢٠٢٦ في ١٠:٠٨ م

تشققات داخل إثيوبيا .. هل يولد محيط جديد في منخفض عفر؟

حقيقة «محيط إثيوبيا الجديد».. تشققات عفر بين العلم والتهويل على مواقع التواصل

هل أعلنت الصين نهاية إثيوبيا؟

انتشرت خلال الساعات الماضية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل عنوانًا مثيرًا يقول إن الصين أعلنت نهاية إثيوبيا وتحول أرضها إلى محيط جديد، مع حديث عن تشققات ضخمة في الأراضي الإثيوبية وتحركات أرضية سريعة وزلازل متكررة في منطقة منخفض عفر.

لكن التدقيق في المعلومات المتداولة يكشف أن العنوان مضلل بدرجة كبيرة. فلا توجد أي معلومات موثوقة تؤكد أن الحكومة الصينية أو وزارة الخارجية الصينية أعلنت “نهاية إثيوبيا”، كما أن الحديث العلمي عن تشكل محيط جديد في شرق أفريقيا لا يعني أن إثيوبيا ستختفي خلال سنوات، أو أن مياه البحر ستغمر البلاد قريبًا.

الحقيقة أن منطقة منخفض عفر في إثيوبيا تعد من أكثر المناطق الجيولوجية نشاطًا في العالم، وهي تقع عند نقطة التقاء صدوع كبرى، حيث تتباعد الصفائح التكتونية ببطء شديد. هذا التباعد قد يؤدي، على مدى ملايين السنين، إلى نشوء حوض محيطي جديد، لكنه ليس حدثًا وشيكًا أو كارثة فورية.

ما الذي يحدث فعلًا في منخفض عفر؟

منخفض عفر يقع في شمال شرقي إثيوبيا، وهو منطقة فريدة جيولوجيًا لأنها تمثل نقطة التقاء بين صدع البحر الأحمر، وصدع خليج عدن، والصدع الإثيوبي الرئيسي. هذه المنطقة تعد نموذجًا طبيعيًا نادرًا لدراسة كيفية تفكك القارات وبداية تشكل محيطات جديدة.

وتوضح جامعة ليدز، عبر مشروعها العلمي الخاص بصدع عفر، أن القارة الأفريقية تنقسم ببطء في هذه المنطقة، وأن محيطًا جديدًا يتشكل جيولوجيًا، لكنها تشير إلى أن هذه العملية تتم على نطاق زمني طويل للغاية، وليس في شكل انهيار مفاجئ أو غرق سريع. كما تذكر الجامعة أن شقوقًا كبيرة فُتحت في منخفض عفر عام 2005، وأن الصدع تمدد حينها بنحو 8 أمتار خلال 10 أيام، في حدث علمي مهم لفت أنظار الجيولوجيين حول العالم.

بمعنى أكثر وضوحًا، ما يحدث في عفر ليس “نهاية إثيوبيا”، بل جزء من عملية جيولوجية طبيعية معروفة باسم التصدع القاري، حيث تتمدد القشرة الأرضية وتضعف تدريجيًا بفعل حركة الصفائح والنشاط الصهاري تحت السطح.

 

هل يتكون محيط جديد بالفعل؟

نعم، من الناحية العلمية، يتوقع عدد من الباحثين أن يؤدي استمرار هذا التمدد القاري في شرق أفريقيا إلى تشكل حوض محيطي جديد في المستقبل البعيد. لكن كلمة “المستقبل” هنا لا تعني سنوات أو عقودًا، بل تعني ملايين السنين.

فمشروع عفر العلمي التابع لجامعة ليدز يوضح أن القرن الأفريقي قد ينفصل في المستقبل البعيد، وأن محيطًا جديدًا قد يتشكل خلال نحو 10 ملايين سنة.

كما تشير بيانات منشورة على موقع الحكومة البريطانية ضمن مشروع بحثي عن حدود الصفائح المتباعدة في عفر إلى أن هذه العملية قد تؤدي في النهاية إلى تكوين محيط جديد، لكن على مقياس زمني يقدر بملايين السنين.

إذن، الصياغة الدقيقة هي:
منطقة عفر تشهد عملية تباعد قاري قد تؤدي بعد ملايين السنين إلى تشكل محيط جديد.
أما الصياغة المتداولة:
“إثيوبيا تتحول إلى محيط جديد خلال السنوات المقبلة”
فهي صياغة مضللة ولا تستند إلى قراءة علمية دقيقة.

ماذا عن ال300 زلزال بقوة تصل إلى 5.9 درجة؟

هذا الجزء من المعلومات المتداولة له أساس علمي، لكنه يحتاج إلى سياق. فقد نشرت مجلة Geophysical Journal International دراسة عن نشاط زلزالي في إثيوبيا بين أواخر ديسمبر 2024 ومنتصف مارس 2025، وذكرت أن اندساسًا صهاريًا بطول يقارب 50 كيلومترًا أدى إلى حدوث أكثر من 300 زلزال، تراوحت قوتها بين 4 و5.9 درجات، بين بركاني فنتالي ودوفن ضمن الصدع الإثيوبي الرئيسي.

هذه الزلازل لا تعني أن البلاد تنهار أو أن محيطًا سيظهر فجأة، لكنها تؤكد أن المنطقة نشطة جيولوجيًا، وأن الصهارة الصاعدة تحت الأرض يمكن أن تسبب تمددًا وتشققًا وزلازل وتشوهات في سطح الأرض.

وتشير دراسة أخرى منشورة عبر ResearchGate عن الاستجابة العلمية لاختراقات الصهارة في منطقة فنتالي–دوفن إلى أن أكثر من 300 زلزال بقوة 4 درجات أو أكثر رُصدت بواسطة شبكات الرصد الدولية، وأن موقع GNSS في أديس أبابا تحرك بنحو 20 ملم غربًا، كما جرى إجلاء نحو 75 ألف شخص، مع تسجيل أضرار في بنية تحتية وطرق ومبانٍ، رغم عدم حدوث ثوران بركاني.

هل تحركت القشرة الأرضية 60 سنتيمترًا في تسعين يوماً؟

تداولت منشورات رقمًا يقول إن القشرة الأرضية تحركت بنحو 60 سنتيمترًا خلال تسعين يوماً. هذا الرقم ظهر في منشورات إعلامية على منصات التواصل، منها حسابات صينية باللغة الإنجليزية أو العربية، لكنه يحتاج إلى توثيق علمي مباشر قبل اعتماده كحقيقة نهائية في تقرير خبري.

المؤكد علميًا، بحسب الدراسات الحديثة، هو وجود تشوهات أرضية وحركة مرتبطة باختراقات صهارية وزلازل في منطقة فنتالي–دوفن. أما رقم 60 سنتيمترًا تحديدًا، فيجب التعامل معه بحذر، لأنه لم يظهر بوضوح في الملخصات العلمية الأساسية التي تؤكد أرقام الزلازل والاندساس الصهاري. لذلك يمكن ذكره فقط بصيغة: “تداولت حسابات إعلامية رقم 60 سنتيمترًا، بينما تؤكد الدراسات العلمية وجود تشوهات أرضية ونشاط صهاري وزلزالي واسع”، لا بصيغة الجزم القاطع.

هل ستتدفق مياه البحر الأحمر وخليج عدن قريبًا؟

الفكرة العلمية العامة تقول إن استمرار التباعد بين الصفائح قد يفتح في المستقبل البعيد ممرًا لمياه البحر، فتتكون منطقة بحرية أو حوض محيطي جديد. لكن هذا السيناريو ليس قريبًا زمنيًا.

التقديرات العلمية المنشورة تتحدث عن ملايين السنين. بعض المصادر العلمية والإعلامية المعتمدة على تصريحات باحثين تذكر نطاقًا يتراوح بين 5 و10 ملايين سنة، بينما تشير مصادر أخرى إلى نحو 10 ملايين سنة لتشكل محيط جديد في المنطقة.

لذلك فإن الجملة المتداولة: “خلال السنوات القادمة قد تتدفق مياه البحر الأحمر وخليج عدن لتغمر المنطقة” تحتاج إلى تصحيح. الأدق أن نقول:
على المدى الجيولوجي البعيد، قد يؤدي استمرار التصدع إلى دخول مياه البحر وتكوين حوض محيطي جديد، لكن ذلك لا يتوقع خلال سنوات قريبة وفق الأدبيات العلمية المتاحة.

لماذا إثيوبيا تحديدًا؟

ليست إثيوبيا وحدها المعنية بهذه العملية. ما يحدث جزء من نظام جيولوجي أكبر يعرف باسم صدع شرق أفريقيا، وهو يمتد لمسافة طويلة عبر شرق القارة. وإذا استمرت العملية على مدى ملايين السنين، فقد يتغير شكل شرق أفريقيا بالكامل، وليس إثيوبيا وحدها.

وتوضح تقارير علمية أن منطقة عفر شديدة الأهمية لأنها تقع عند تقاطع ثلاثة أنظمة صدعية: البحر الأحمر، خليج عدن، والصدع الإثيوبي الرئيسي. هذا يجعلها من أفضل الأماكن في العالم لدراسة المراحل المبكرة من تفكك القارات وتحول القشرة القارية تدريجيًا إلى قشرة محيطية.

وبالتالي، ربط الأمر بعنوان سياسي يقول “نهاية إثيوبيا” يخرج الموضوع من إطاره العلمي ويحوّله إلى مادة تهويل غير دقيقة.

أين الخطأ في المنشورات المتداولة؟

المشكلة الأساسية ليست في القول إن هناك تشققات ونشاطًا زلزاليًا في إثيوبيا، فهذا صحيح في إطار علمي. الخطأ في طريقة عرض المعلومة.

أبرز نقاط التضليل هي:

أولًا: تصوير الأمر كأنه إعلان صيني رسمي عن نهاية دولة، بينما المتاح لا يثبت وجود إعلان حكومي صيني بهذا المعنى.

ثانيًا: الإيحاء بأن إثيوبيا ستتحول قريبًا إلى محيط، بينما العلم يتحدث عن ملايين السنين.

ثالثًا: استخدام عبارات كارثية مثل “نهاية إثيوبيا” و“تحول أرضها إلى محيط”، وهي عبارات لا تعكس ما تقوله الدراسات الجيولوجية.

رابعًا: خلط النشاط الزلزالي الحقيقي في منطقة عفر بسيناريوهات مستقبلية بعيدة لتكوين محيط جديد.

القراءة العلمية الصحيحة

يمكن تلخيص الحقيقة العلمية في عدة نقاط واضحة:

منطقة عفر في إثيوبيا نشطة تكتونيًا وصهاريًا، وتشهد تمددًا في القشرة الأرضية نتيجة تباعد الصفائح.

حدثت موجات زلزالية قوية نسبيًا في منطقة فنتالي–دوفن بين أواخر 2024 وبداية 2025، شملت أكثر من 300 زلزال بقوة تراوحت بين 4 و5.9 درجات.

النشاط مرتبط باختراقات صهارية تحت الأرض، وهو جزء من عملية التصدع القاري المستمرة.

تشكل محيط جديد في شرق أفريقيا احتمال علمي طويل المدى، لكنه يحتاج إلى ملايين السنين، وليس سنوات قليلة.

ما يجري في إثيوبيا ليس خيالًا كاملًا، لكنه أيضًا ليس كما تروّج له المنشورات المثيرة. هناك فعلًا نشاط جيولوجي مهم في منخفض عفر، وهناك زلازل وتشوهات أرضية مرتبطة بتمدد القشرة وصعود الصهارة، وهناك احتمال علمي بأن يؤدي استمرار هذه العملية بعد ملايين السنين إلى تشكل محيط جديد في شرق أفريقيا.

لكن لا توجد نهاية وشيكة لإثيوبيا، ولا إعلان صيني رسمي بزوالها، ولا محيط سيغمر أراضيها خلال سنوات. الحقيقة العلمية أكثر هدوءًا ودقة: إثيوبيا تقع فوق واحدة من أهم مناطق التصدع القاري في العالم، وما يحدث هناك يمنح العلماء فرصة نادرة لمشاهدة المراحل الأولى من ولادة محيط جديد على مقياس زمني طويل جدًا.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.