اتهمونا بـ«الكلبجية» وكأن الرحمة رذيلة، وكأن إطعام كلب جائع خيانة، وكأن الماء الذي نقدّمه لمخلوق ضعيف تهديد للمجتمع. نعم، نحن «كلبجية»، واللقب الذي أُلقي علينا بقصد السخرية نحمله اليوم كوسام. لأن التاريخ لم يحترم يومًا من اصطفّوا مع القسوة، بل من وقفوا في صف الضعفاء.
الهجوم على كلاب الشارع، أو «الكلاب الحرة»، لم يعد مجرد خوف، بل صار مشروع كراهية منظم. إعلام يصنع هلعًا، ومنصات تضخ صورًا مبتورة، وأصوات تطالب بالإقصاء باسم الأمان. فجأة تحولت الكلاب، التي عاشت وسطنا لعقود بلا ضجيج، إلى عدو عام يجب التخلص منه. السؤال الحقيقي ليس: لماذا الكلاب في الشوارع؟ بل: لماذا الآن كل هذا التحريض؟ ومن المستفيد من تحويل الرحمة إلى تهمة؟
والمفارقة الأخطر هي مقترحات «الحلول الإنسانية» المزعومة: شيلترات خارج المدينة، عزل جماعي، إقصاء مخلوقات من بيئتها الطبيعية، وكأننا نتحدث عن نفايات لا عن أرواح. هذا ليس حلًا، هذا نفي قسري. الكلاب الحرة لم تنشأ في الصحاري ولا خلف الأسوار، بل في قلب الشارع، بين الناس. اقتلاعها من محيطها جريمة أخرى تُرتكب باسم التنظيم.
فكرة الشيلترات خارج المدن ليست رحمة، بل هروب من المسؤولية.
نقولها بوضوح: فكرة الشيلترات خارج المدن ليست رحمة، بل هروب من المسؤولية. هي محاولة لتنظيف الصورة لا لحل المشكلة. تجميع آلاف الكلاب في أطراف مهجورة يفتح أبوابًا للتجويع، والإهمال، والمرض، والموت البطيء بعيدًا عن العيون. هل هذا هو الأمان؟ أم هو فقط إقصاء لما يزعج ضمير البعض؟
نحن لا ننكر وجود مشاكل، ولا نقلل من مخاوف الناس، لكننا نرفض الحلول الدموية والمخادعة. الحل الحقيقي معروف: تعقيم، تطعيم، إدارة مجتمعية، ووجود الكلاب في بيئتها تحت رقابة إنسانية، لا مطاردتها ولا نفيها. العالم كله تجاوز مرحلة القتل والعزل، إلا من قرروا أن يتاجروا بالخوف.
إلى كل «كلبجي» و«كلبجية»: استمروا. أطعموا، واسقوا، وتكلموا، ولا تصمتوا. كونوا شوكة في حلق التحريض، وفضيحة أخلاقية في وجه القسوة. كلاب الشارع ليست طارئة علينا، بل نحن الطارئون على الرحمة. وفي النهاية، المجتمعات لا تُقاس بمدى نظافة شوارعها فقط، بل بمدى إنسانيتها تجاه الأضعف فيها.


