الثلاثاء، ١٩ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٩ م

«ترامب يورّط الخليج ثم يهاجم الصحافة».. من أوقف ضربة إيران فعلًا؟

 تمكن الرئيس الامريكي من خلق  لحظة سياسية شديدة الارتباك فعندما  خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس  ليقول إن الولايات المتحدة كانت تستعد لتنفيذ هجوم عسكري كبير ضد إيران وذلك  قبل أن يقرر تأجيله بعد طلب منة قادة خليجيين، بينهم قطر والسعودية والإمارات، لمنح المفاوضات فرصة أخيرة. لكن المفارقة الصادمة أن رواية ترامب لم تمر بهدوء؛ إذ انتشرت بعدها تقارير وتصريحات منسوبة لمسؤولين خليجيين تشكك في علمهم بتفاصيل ضربة وشيكة أصلًا، بينما واصل ترامب هجومه على وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، واصفًا «وول ستريت جورنال» بتعبير ساخر هو «تشاينا ستريت جورنال». هكذا لم يعد السؤال: هل ستضرب واشنطن إيران؟ بل أصبح: من يملك قرار الحرب داخل أمريكا؟ ومن يستخدم الخليج كغطاء سياسي للتراجع؟ ومن يحاول الآن كشف كواليس البيت الأبيض؟

رواية ترامب: كنا سنضرب إيران.. والخليج طلب التأجيل

بحسب وكالة أسوشيتد برس، أعلن ترامب أمس  أنه أوقف أو أجّل ضربة عسكرية كبرى ضد إيران كانت مقررة، قائلًا إن قادة من قطر والسعودية والإمارات طلبوا من واشنطن منح المفاوضات يومين أو ثلاثة إضافية، لأن هناك فرصة لاتفاق قد ينهي الأزمة. كما أشار إلى أن الخطة العسكرية كانت جاهزة، لكن الدبلوماسية حصلت على فرصة أخيرة.

رويترز نقلت المعنى نفسه تقريبًا؛ ترامب تحدث عن «فرصة جيدة جدًا» للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران بعد تأجيل ضربة عسكرية، لكنه في الوقت ذاته أبقى التهديد قائمًا، مؤكدًا أن الولايات المتحدة مستعدة لتنفيذ هجوم واسع إذا فشلت المفاوضات.

التناقض الأخطر: هل كان الخليج يعلم أصلًا؟

هنا تبدأ الأزمة. رواية ترامب تضع قادة الخليج في قلب القرار العسكري الأمريكي، وكأنهم هم من أوقفوا ضربة جاهزة ضد إيران. لكن الرواية المضادة، المتداولة في تقارير وتعليقات منسوبة لمسؤولين خليجيين، تقول إن بعض المسؤولين لم يكونوا على علم بتفاصيل خطط هجوم وشيك، أو لم يُستشاروا بالطريقة التي قدمها ترامب للرأي العام.

حتى مع صعوبة التحقق من كل صياغة منشورة خارج المصادر المفتوحة، يبقى التناقض السياسي واضحًا: ترامب يريد أن يقول لجمهوره إنه لم يتراجع خوفًا أو ارتباكًا، بل استجاب لطلب حلفاء. أما الطرف الخليجي، إذا نفى علمه أو قلل من دوره، فهو لا يريد أن يظهر أمام إيران أو شعوبه أو الأسواق وكأنه شريك مباشر في قرار حرب قد تشعل المنطقة.

لماذا يحتاج ترامب إلى رواية «الخليج أوقفني»؟

هذه الجملة تمنح ترامب مخرجًا سياسيًا ذكيًا من زاويتين. داخليًا، يستطيع أن يقول للتيار المتشدد في أمريكا إنه كان مستعدًا للضرب، وأن الجيش كان جاهزًا، لكنه منح الدبلوماسية فرصة بطلب من الحلفاء. وخارجيًا، يرسل رسالة إلى إيران بأن التأجيل ليس ضعفًا، بل هدنة مؤقتة يمكن أن تنتهي في أي لحظة.

لكن المشكلة أن هذا المخرج نفسه يورط الحلفاء الخليجيين. فإذا قال ترامب إن قطر والسعودية والإمارات طلبوا وقف الضربة، فمعنى ذلك أنهم كانوا على علم بموعدها وحجمها، وربما شاركوا في منعها. وإذا نفت هذه الأطراف علمها، فنحن أمام فجوة خطيرة بين خطاب البيت الأبيض وحسابات حلفائه في المنطقة.

وول ستريت جورنال تدخل على الخط.. وترامب يفتح النار

التوتر لم يتوقف عند ملف إيران. ترامب صعّد هجومه على الإعلام الأمريكي، خاصة «وول ستريت جورنال» و«نيويورك تايمز» وCNN، بسبب تغطياتها للحرب على إيران وكواليس قراراته. تقارير ومنشورات متابعة للملف نقلت أنه وصف وول ستريت جورنال ساخرًا بـ«China Street Journal»، في اتهام ضمني بأنها تخدم الصين أو تنحاز لروايتها. كما تنشر وول ستريت جورنال ملفات متتابعة عن إيران والحرب والتهدئة ومخاوف الخليج من أي تسوية لا تعالج تهديدات طهران الأمنية.

هذا الهجوم على الإعلام ليس تفصيلًا جانبيًا. عندما يبدأ رئيس أمريكي في مهاجمة مؤسسات صحفية كبرى بالتزامن مع تسريبات عن حرب وقرار عسكري، فهذا يعني أن المعركة لم تعد فقط بين واشنطن وطهران، بل داخل واشنطن نفسها: البيت الأبيض يريد رواية، ومراكز داخل الدولة والإعلام تريد كشف رواية أخرى.

هل فقد ترامب السيطرة على قرار الحرب؟

لا يمكن الجزم بأن ترامب «فقد السيطرة» بالكامل على قرار الحرب، لكن الواضح أن قراره لم يعد يتحرك في خط مستقيم. هناك ضغط من المؤسسة العسكرية، وضغط من شركات الطاقة والأسواق، وضغط من حلفاء الخليج الذين يخشون ردًا إيرانيًا على منشآتهم، وضغط من إسرائيل التي تريد حسمًا ضد طهران، وضغط من الإعلام الأمريكي الذي يكشف التناقضات أولًا بأول.

رويترز نقلت لاحقًا أن ترامب قال إن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى ضرب إيران مرة أخرى، وأنه كان قريبًا جدًا من اتخاذ القرار قبل التأجيل، ما يعكس حالة شد وجذب مستمرة بين التهديد والتراجع، وبين الحرب والتفاوض.

مراكز القوة الأمريكية.. من يدير القرار خلف الستار؟

في السياسة الأمريكية، لا يتحرك الرئيس وحده في ملفات الحرب الكبرى. هناك شبكة مصالح ضخمة تضم جنرالات، وشركات سلاح، وشركات طاقة، ومراكز أبحاث، وأجهزة استخبارات، وأقطاب إعلام، وممولين سياسيين، ولوبيات مرتبطة بإسرائيل والخليج والصين وروسيا. هذه ليست «نظرية مؤامرة» بقدر ما هي طبيعة النظام الأمريكي: الرئيس يدير التناقضات بين هذه القوى، لكنه لا يستطيع دائمًا إخضاعها كلها.

ومن هنا يمكن فهم الهجوم الإعلامي على ترامب كإشارة إلى انقسام داخل مراكز القرار. جزء يريد التصعيد ضد إيران، وجزء يخشى انفجار أسعار النفط واتساع الحرب وعودة الجنود الأمريكيين إلى مستنقع شرق أوسطي جديد، وجزء ثالث يريد صفقة تحفظ ماء الوجه وتمنع انهيار الأسواق.

هدنة 8 أبريل.. بداية الانقسام لا نهايته

منذ إعلان الهدنة في 8 أبريل، بدأت ملامح الانقسام تظهر بوضوح. فهناك من رأى أن الهدنة فرصة لإخراج أمريكا من حرب مكلفة، وهناك من اعتبرها تراجعًا يمنح إيران فرصة لالتقاط الأنفاس. ومع كل يوم يمر دون حسم، يتحول ترامب إلى هدف مزدوج: المتشددون يتهمونه بالتردد، والإعلام يكشف تناقضاته، والحلفاء لا يريدون تحمل مسؤولية قراراته علنًا.

هذا ما يجعل قصة «الخليج أوقف الضربة» خطيرة. فلو كانت صحيحة، فهذا يعني أن حلفاء واشنطن الإقليميين باتوا قادرين على تعطيل قرار عسكري أمريكي كبير خوفًا على مصالحهم. ولو كانت مبالغًا فيها أو غير دقيقة، فهذا يعني أن ترامب استخدم الخليج لتبرير تراجع تكتيكي أمام الداخل الأمريكي.

الصين في الخلفية.. لماذا تزعج وول ستريت جورنال ترامب؟

وصف ترامب لوول ستريت جورنال بأنها «تشاينا ستريت جورنال» ليس مجرد شتيمة إعلامية. هو يربط بين معركته مع الصحافة ومعركته مع الصين، خاصة أن بكين تظهر كأكبر مستفيد استراتيجي من ارتباك واشنطن في الشرق الأوسط. وول ستريت جورنال نفسها تناولت في أكثر من مادة تأثير حرب إيران على قمة ترامب وشي، وكيف تستخدم الصين الأزمة بحذر لتعزيز موقعها الدبلوماسي.

فكلما غرقت أمريكا في ملف إيران، توسعت مساحة الصين للمناورة: تتحدث مع الخليج، وتستقبل روسيا، وتراقب النفط، وتطرح نفسها كقوة عاقلة لا تريد الانفجار. هذا ما يفسر حساسية ترامب من أي تغطية إعلامية تربط ضعفه في إيران بصعود بكين.

الخليج بين نارين: لا يريد الحرب ولا يريد إغضاب واشنطن

دول الخليج في موقف بالغ الحساسية. فهي لا تريد إيران نووية أو متمددة عسكريًا، لكنها لا تريد أيضًا حربًا شاملة تجعل منشآت النفط والغاز والموانئ والمدن أهدافًا مباشرة. لذلك من المنطقي أن تضغط باتجاه التهدئة، لكن من غير المنطقي سياسيًا أن تعلن أنها كانت جزءًا من منع ضربة أمريكية محددة، لأن ذلك قد يجعلها طرفًا مباشرًا في الأزمة.

لهذا تبدو الرواية الخليجية، أو النفي الخليجي المتداول، محاولة للفصل بين شيئين: نعم، نحن مع التهدئة وخفض التصعيد، لكن لا، لسنا مسؤولين عن قرار عسكري أمريكي، ولا نريد أن نُستخدم كغطاء لرواية ترامب الداخلية.

قراءة الصباح الصادمة: ترامب لا يتراجع.. بل يبحث عن من يتحمل التراجع

الخلاصة السياسية أن ترامب لم يكن يريد الظهور كرئيس تراجع عن ضرب إيران. لذلك احتاج إلى قصة تقول: «كنت سأضرب، لكن الحلفاء طلبوا التأجيل». هذه الرواية تحافظ على صورته كرئيس قوي، وتترك الباب مفتوحًا للضربة لاحقًا، وتحمل الخليج جزءًا من مسؤولية الانتظار.

لكن دخول وول ستريت جورنال وغيرها من وسائل الإعلام على الخط يهدد هذه الرواية. فإذا ثبت أن الحلفاء لم يكونوا على علم بتفاصيل الهجوم، فإن ترامب لا يكون قد استجاب لهم، بل استخدمهم. وإذا ثبت أنهم تدخلوا فعلًا، فهذا يكشف أن قرار الحرب الأمريكي لم يعد قرار البيت الأبيض وحده، بل أصبح محكومًا بشبكة خوف إقليمي واقتصادي وأمني.

 حرب إيران تكشف حربًا داخل واشنطن

التناقض بين تصريحات ترامب والروايات الصحفية ليس مجرد خلاف إعلامي، بل علامة على صراع أعمق داخل النظام الأمريكي. فكلما اقتربت ضربة إيران، ظهرت القوى التي تخشى نتائجها: الأسواق، النفط، الخليج، الجنرالات، الإعلام، وشبكات المصالح الكبرى.

ترامب يريد أن يظل ممسكًا بصورة القائد الذي يقرر الحرب والسلام. لكن التسريبات والهجوم الصحفي وتضارب الروايات تكشف أن قرار الحرب ضد إيران أصبح محاصرًا من أكثر من اتجاه. وبينما يهدد ترامب طهران، تبدو واشنطن نفسها وكأنها تفاوض نفسها: هل تضرب؟ هل تتراجع؟ هل تلوم الخليج؟ أم تلوم الصحافة؟

النتيجة أن الأزمة لم تعد فقط بين أمريكا وإيران، بل بين أمريكا وأمريكا. وبين رواية رئيس يريد إثبات القوة، ومراكز نفوذ لا تريد دفع ثمن حرب جديدة، يبقى الشرق الأوسط كله معلقًا على تصريح قد يتغير في اليوم التالي.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.