الجمعة، ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ في ١٠:١٢ م

تحذير البيت الأبيض للمالكي يفتح باب التصعيد.. هل يدخل العراق مرحلة عقوبات وصراع إقليمي جديد؟

تحذير أمريكي لنوري المالكي.. هل يُجرّ العراق إلى أزمة كبرى جديدة؟


العراق مجددًا على حافة العاصفة

في تطور سياسي بالغ الحساسية، أفاد مصدر سياسي بأن البيت الأبيض أبلغ رئيس الحكومة العراقي الأسبق نوري المالكي بوجود عقوبات قد تُفرض عليه وعلى مسؤولين ومؤسسات رسمية عراقية في حال تقدمه لانتخابات رئاسة الوزراء المقبلة.

الرسالة، بحسب ما تسرّب، لم تكن مجرد تنبيه دبلوماسي عابر، بل تحذير صريح يرتبط بملف العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، ما يعني أن واشنطن قد تتعامل مع بعض القوى العراقية باعتبارها امتدادًا لنفوذ طهران في المنطقة.

السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه الآن:
هل نحن أمام محاولة لجرّ العراق إلى أزمة كبرى جديدة عنوانها الصدام الأمريكي – الإيراني على الأرض العراقية؟


ماذا تعني الرسالة الأمريكية؟

وفق المصادر، فإن الرسالة التي وصلت إلى المالكي تتضمن تحذيرًا واضحًا من أن العقوبات قد تشمل أفرادًا ومؤسسات رسمية عراقية، باعتبارها – من وجهة نظر واشنطن – ضمن دائرة التأثير الإيراني.

هذا النوع من الرسائل يحمل ثلاث دلالات أساسية:

  1. تدخل استباقي في المشهد السياسي العراقي قبل تشكيل الحكومة المقبلة.

  2. محاولة رسم “خطوط حمراء” أمام القوى المنضوية ضمن الإطار التنسيقي.

  3. ربط مباشر بين السياسة الداخلية العراقية والصراع الإقليمي الأوسع.

كما كشفت تقارير أن المبعوث الأمريكي توم براك التقى المالكي، ما يؤكد أن الملف لا يُدار عبر تسريبات إعلامية فقط، بل عبر قنوات اتصال مباشرة.


فلاش باك: سنوات حكم المالكي (2006 – 2014)

لفهم حساسية اللحظة، لا بد من العودة إلى فترة حكم نوري المالكي، التي شكلت واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ العراق الحديث.

المرحلة الأولى (2006 – 2010)

تولى المالكي رئاسة الوزراء في ظل احتقان طائفي واسع بعد الغزو الأمريكي، وشهدت تلك المرحلة:

  • تصاعد العنف الطائفي

  • تفجيرات يومية في بغداد ومدن أخرى

  • صدامات مسلحة بين ميليشيات مختلفة

رغم ذلك، نجح المالكي في تثبيت موقعه السياسي عبر تحالفات داخلية ودعم إيراني واضح، مع استمرار التنسيق الأمني مع واشنطن.

المرحلة الثانية (2010 – 2014)

في ولايته الثانية، اتُهم المالكي بتكريس مركزية السلطة، وإضعاف التوازنات السياسية، وتهميش خصومه، خصوصًا من المكون السني والكردي.

وشهدت هذه الفترة:

  • انسحاب القوات الأمريكية من العراق (2011)

  • تصاعد الاحتجاجات في المحافظات السنية

  • انهيار أمني كبير عام 2014 مع سيطرة تنظيم داعش على الموصل

هذا الانهيار كان نقطة تحول مفصلية أنهت ولاية المالكي تحت ضغط داخلي وخارجي.


المحاصصة السياسية.. الجذر العميق للأزمة

لا يمكن فهم المشهد العراقي دون التطرق إلى نظام المحاصصة الذي تأسس بعد 2003.

يقوم هذا النظام على توزيع المناصب وفق الانتماء الطائفي والقومي، بحيث تُقسّم السلطة بين:

  • رئاسة الجمهورية (غالبًا كردية)

  • رئاسة الوزراء (شيعية)

  • رئاسة البرلمان (سنية)

ورغم أنه صُمم كآلية توازن، إلا أن الواقع أثبت عدة إخفاقات:

  1. ترسيخ الانقسام الطائفي بدل تجاوزه.

  2. تعطيل مبدأ الكفاءة لصالح الولاءات السياسية.

  3. إضعاف مؤسسات الدولة وتحويلها إلى ساحات نفوذ حزبي.

هذا النظام جعل كل استحقاق انتخابي أو حكومي مرتبطًا بتوازنات إقليمية، لا داخلية فقط.


هل يُستخدم ملف العقوبات كورقة ضغط سياسية؟

ربط العقوبات المحتملة بالملف الإيراني يشير إلى أن واشنطن تنظر إلى العراق بوصفه ساحة متقدمة للصراع مع طهران.

في المقابل، ترى قوى داخل الإطار التنسيقي أن مثل هذه الرسائل تمثل تدخلًا مباشرًا في السيادة العراقية.

من هنا، يتحول السؤال من “هل ستُفرض عقوبات؟” إلى “كيف سيؤثر مجرد التلويح بها على تشكيل الحكومة؟”


السيناريوهات المحتملة

1. احتواء التصعيد

قد يتم احتواء الأزمة عبر تفاهمات خلف الكواليس تضمن عدم وصول المالكي إلى رئاسة الوزراء مقابل تجنب العقوبات.

2. تصعيد تدريجي

في حال تجاهل التحذير، قد تُفرض عقوبات على أفراد محددين، ما يفتح الباب لأزمة مالية وسياسية.

3. إعادة تشكيل التحالفات

التحذير قد يدفع بعض القوى الشيعية إلى إعادة حساباتها السياسية خشية تعريض مؤسسات الدولة لعقوبات دولية.


العراق بين المطرقة والسندان

العراق اليوم يقف بين:

  • مطرقة الضغوط الأمريكية

  • سندان النفوذ الإيراني

  • وانقسام داخلي مزمن بسبب نظام المحاصصة

أي خطوة غير محسوبة قد تعيد البلاد إلى دائرة عدم الاستقرار، خصوصًا في ظل أوضاع اقتصادية هشة واعتماد كبير على النظام المالي الدولي.


هل يُعاد إنتاج أزمة 2014؟

التحذير الأمريكي يعيد للأذهان لحظة 2014، عندما تداخل العامل الأمني مع السياسي والإقليمي.

لكن الفارق اليوم أن أدوات الضغط لم تعد عسكرية فقط، بل مالية واقتصادية ودبلوماسية.


رسالة الي النخبة الحاكمة في بغداد

ما يحدث ليس مجرد تحذير لشخص سياسي، بل رسالة إلى الطبقة السياسية العراقية بأكملها:

العراق لم يخرج بعد من دائرة الصراع الإقليمي، وكل استحقاق داخلي يمكن أن يتحول إلى ساحة اختبار للنفوذ.

المالكي يمثل رمزًا لمرحلة سياسية مثيرة للجدل، وعودته المحتملة تفتح ملفًا قديمًا لم يُغلق بعد.

أما المحاصصة، فهي ما زالت البنية التي تسمح بتكرار الأزمات بدل حلّها.

ويبقى السؤال المفتوح:
هل ينجح العراق في إدارة توازناته دون أن يُجرّ إلى أزمة كبرى جديدة؟

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.