تدخل الأزمة الأمريكية–الإيرانية مرحلة شديدة الحساسية، مع تزايد المؤشرات على سباق مزدوج بين الدبلوماسية والقوة العسكرية. فبينما تنتظر واشنطن مقترحًا مكتوبًا من طهران يوضح آليات تفادي المواجهة، تتسارع وتيرة الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، في مشهد يعكس ازدواجية استراتيجية: التفاوض تحت سقف الردع.
هذا التطور يأتي استكمالًا لما تناولناه في تقارير سابقة حول تصاعد التوتر، والتحركات العسكرية غير المسبوقة، والسيناريوهات المفتوحة بين تسوية متأخرة أو مواجهة واسعة قد تعيد رسم ملامح الإقليم.
محادثات جنيف… تقدم حذر وفجوات واسعة
عقب لقاء استمر ثلاث ساعات في جنيف بين المبعوثين الأمريكيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، نقل مسؤول أمريكي رفيع أن واشنطن تنتظر من طهران عرضًا مكتوبًا يحدد مسارًا عمليًا لتفادي التصعيد.
وبحسب التصريحات، فإن كبار مستشاري الأمن القومي الأمريكي عقدوا اجتماعًا في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، حيث تم التأكيد على ضرورة اكتمال انتشار جميع القوات الأمريكية في المنطقة بحلول منتصف مارس.
ورغم إعلان الجانبين إحراز "تقدم"، فإن مصادر مطلعة تشير إلى استمرار فجوات جوهرية في الملفات الحساسة، وعلى رأسها:
-
البرنامج النووي الإيراني
-
منظومة الصواريخ الباليستية
-
النفوذ الإقليمي لطهران
-
آليات الرقابة والتفتيش
وهو ما يجعل المقترح الإيراني المنتظر نقطة مفصلية قد تحدد اتجاه المرحلة المقبلة.
حشد عسكري أمريكي متسارع… رسالة ردع أم استعداد لحرب طويلة؟

بالتوازي مع المسار التفاوضي، دفعت الولايات المتحدة بحاملتي طائرات إلى المنطقة، إضافة إلى عشرات السفن الحربية ومئات الطائرات المقاتلة، وأنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات.
كما تم نقل شحنات عسكرية عبر أكثر من 150 رحلة جوية خلال الفترة الماضية، بينها تعزيزات من مقاتلات إف-35 وإف-22 وإف-16.
هذه التحركات، وفق تقديرات مراكز بحث أمريكية، لا تعكس مجرد استعراض قوة، بل استعدادًا لسيناريو تصعيد ممتد قد يستمر لأسابيع، في حال انهيار المسار الدبلوماسي.
وكان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد ألمح إلى أن جميع الخيارات مطروحة، في إشارة واضحة إلى أن الخيار العسكري لا يزال على الطاولة.
التحركات الإيرانية… اختبارات صاروخية ومناورات في مضيق هرمز
في المقابل، أعلنت إدارة الطيران الاتحادية الأمريكية أن إيران أصدرت إشعارًا للملاحة الجوية بشأن عمليات إطلاق صواريخ في جنوب البلاد، بالتزامن مع مناورات بحرية أُجريت في مضيق هرمز شملت تدريبات بالذخيرة الحية.
كما تخطط طهران لمناورة بحرية مشتركة مع روسيا، في رسالة استراتيجية مزدوجة:
-
تأكيد الجاهزية العسكرية
-
الإشارة إلى دعم دولي محتمل خارج المحور الغربي
ويُنظر إلى إغلاق مضيق هرمز مؤقتًا خلال المناورات كتصعيد رمزي يحمل دلالات جيوسياسية خطيرة، نظرًا لأهمية المضيق في حركة الطاقة العالمية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة… ثلاثة مسارات محتملة
استنادًا إلى المعطيات الحالية، يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1- تسوية دبلوماسية مشروطة
يتطلب هذا السيناريو تقديم إيران مقترحًا مكتوبًا يتضمن تنازلات جزئية أو ترتيبات مرحلية، مقابل تجميد التصعيد العسكري.
2- تصعيد محدود ومدروس
ضربات موضعية أو عمليات ردع متبادلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بهدف إعادة ضبط قواعد الاشتباك.
3- مواجهة واسعة ممتدة
وهو السيناريو الذي حذرت منه تقارير إعلامية أمريكية، حيث قد تتحول الأزمة إلى حملة عسكرية مشتركة ذات تداعيات إقليمية واسعة، تشمل ساحات متعددة في الشرق الأوسط.
البعد الإسرائيلي… تنسيق استراتيجي مرتقب
يأتي ذلك في ظل إعلان مرتقب عن لقاء بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 28 فبراير، ما يعكس تنسيقًا استراتيجيًا عالي المستوى بشأن الملف الإيراني.
إسرائيل، التي تراقب عن كثب تطورات المفاوضات، تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وقد تضغط باتجاه خيارات أكثر حسمًا إذا رأت أن الدبلوماسية لا تحقق نتائج ملموسة.
مقترح مكتوب يضمن تجنب المواجهة،
المنطقة تقف أمام مفترق حرج، حيث يتداخل التفاوض مع الحشد العسكري في معادلة معقدة. واشنطن تطالب بمقترح مكتوب يضمن تجنب المواجهة، فيما تسعى طهران لإظهار القوة دون إغلاق باب التفاوض.
المقترح الإيراني المرتقب لن يكون مجرد وثيقة سياسية، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات تمنع الانزلاق إلى مواجهة قد تكون الأوسع منذ سنوات.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، فإما أن تنجح الدبلوماسية في تثبيت مسار تفاوضي جديد، أو أن تتحول التحركات العسكرية الحالية إلى واقع ميداني يعيد رسم معادلات القوة في الشرق الأوسط.


