الثلاثاء، ٦ يناير ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٣ م

بين الاحتلال والتوغّل والمفاوضات الأمنية.. أتفاق إسرائيلي سوري علي تبادل المعلومات الأسخباراتية

اختُتمت اليوم الثلاثاء الجولة الخامسة من المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل وسورية في العاصمة الفرنسية باريس، برعاية مباشرة من الإدارة الأميركية، وسط حديث إسرائيلي عن “أجواء إيجابية” وتوافق على تسريع وتيرة المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق أمني بين الجانبين.

وتأتي هذه المحادثات في وقت لا تزال فيه أراضٍ سورية محتلة، وفي ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية داخل العمق السوري، خصوصًا في الجنوب، ما يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه المفاوضات، وحدودها، وما إذا كانت تمثل مسارًا نحو تهدئة حقيقية، أم محاولة لإدارة الصراع وتكريس واقع الاحتلال القائم.


محادثات باريس.. اتفاقات أمنية في ظل واقع الاحتلال

بحسب ما أفادت به وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها القناة 15 العبرية، فقد عُقدت الجولة الخامسة من المحادثات برعاية أميركية مباشرة، وشارك فيها ممثلون عن:

  • إسرائيل

  • سورية

  • الولايات المتحدة

وأسفرت الاجتماعات، وفق الرواية الإسرائيلية، عن توافق ثلاثي على إنشاء:

  • آلية لتبادل المعلومات الاستخباراتية

  • قنوات اتصال لتخفيف التوتر الأمني

  • ترتيبات أولية لفتح مسارات اتصال دبلوماسي وتجاري

وهو ما اعتبرته تل أبيب “خطوة عملية” نحو خفض الاحتكاك العسكري على الحدود.

                                   السيطرة والتوغُّل الإسرائيلي جنوبي سوريا


خطوات لبناء الثقة.. أم إدارة للأزمة؟

نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول مطّلع على تفاصيل المفاوضات قوله إن الطرفين اتفقا على:

  • زيادة وتيرة الاجتماعات

  • تنفيذ خطوات متبادلة لبناء الثقة

  • التحضير لإجراءات أمنية تدريجية بإشراف أميركي

وأضاف المسؤول أن “المحادثات كانت جيدة”، وأن الطرفين عبّرا عن رغبة في التوصل إلى اتفاق أمني، في إطار ما وصفه بـ“رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط”.

غير أن هذا الحديث عن “بناء الثقة” يطرح إشكالية مركزية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، وغياب أي التزام واضح بإنهاء التوغلات أو الانسحاب من الأراضي المحتلة، وهو ما يجعل أي اتفاق أمني – وفق مراقبين – منقوصًا من حيث الأساس القانوني والسياسي.


محادثات مدنية موازية.. تطبيع تحت غطاء أمني؟

في السياق ذاته، أفادت قناة i24NEWS بأن اللقاء الثلاثي في باريس شهد توافقًا على بدء محادثات مباشرة بين تل أبيب ودمشق في مجالات مدنية، تشمل:

  • الطب

  • الطاقة

  • الزراعة

وهي مجالات تُستخدم عادة كـ“بوابة ناعمة” لفتح مسارات أوسع من التعاون، ما دفع مراقبين إلى اعتبار أن هذه الخطوة قد تمثل مدخلًا تدريجيًا لمسار تطبيع مستقبلي، تُقدَّم فيه الترتيبات الأمنية كأولوية، على حساب الملفات الجوهرية المتعلقة بالسيادة وإنهاء الاحتلال.


الضغط الأميركي.. تثبيت حدود أم إعادة رسم نفوذ؟

يأتي هذا التطور في ظل ضغط متزايد تمارسه إدارة ترامب على كل من تل أبيب ودمشق، بهدف:

  • تثبيت الوضع الأمني على الحدود

  • منع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة

  • إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بما يخدم المصالح الأميركية

وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن أي اتفاق أمني قد يشكل نقطة انطلاق لمسار سياسي أوسع، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تكريس واقع الاحتلال، إذا لم يتضمن نصوصًا واضحة بشأن الانسحاب ووقف التوغلات واحترام السيادة السورية.


الاحتلال مستمر.. والتوغّل لم يتوقف

على الأرض، لا تزال الوقائع الميدانية تشير إلى:

  • استمرار السيطرة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل

  • توغلات متكررة في مناطق جنوب سوريا

  • ضربات جوية واستهدافات داخل العمق السوري بذريعة “الأمن”

وهو ما يضع أي حديث عن “تهدئة” أو “اتفاق أمني” أمام اختبار حقيقي، إذ لا يمكن – وفق القانون الدولي – فصل الأمن عن إنهاء الاحتلال، ولا بناء استقرار دائم في ظل انتهاك مستمر للسيادة.


مفارقة التفاوض تحت الاحتلال

يرى محللون أن ما يجري في باريس يعكس مفارقة سياسية كبرى:

  • مفاوضات تُدار باسم الأمن والاستقرار

  • بينما يستمر الاحتلال كأمر واقع

  • وتُطرح “إجراءات بناء الثقة” دون معالجة جذور الصراع

ويحذر هؤلاء من أن أي اتفاق لا يتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا لإنهاء الاحتلال ووقف التوغلات، قد يتحول إلى أداة لإدارة الأزمة بدل حلها، ويُستخدم لاحقًا كغطاء سياسي لتطبيع تدريجي دون مقابل سيادي حقيقي.


صور مربكة ومعقدة لتفاوض تحكمة التناقضات

بين قاعات باريس الدبلوماسية، وواقع الميدان السوري المحتل، تتكشف صورة مركبة لمسار تفاوضي محفوف بالتناقضات. فبينما تتحدث إسرائيل عن “أجواء إيجابية” و“رغبة في اتفاق”، تبقى الحقيقة الأساسية أن الاحتلال مستمر، والتوغّل لم يتوقف، والسيادة السورية لا تزال منقوصة.

ويبقى السؤال الجوهري:
هل تمثل محادثات باريس خطوة أولى نحو إنهاء الاحتلال وإرساء أمن متبادل عادل؟
أم أنها مجرد محاولة لإعادة ضبط الصراع، وتثبيت واقع فرضته القوة، تحت لافتة “الأمن” و“الاستقرار”؟