أعادت مواطنة إسرائيلية شارفت على الثمانين من عمرها فتح أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ المنطقة، حين تحدثت بلهجة صادقة عن هويتها المصرية، وتجربة الرحيل القسري من مصر في خمسينيات القرن الماضي، وما تبع ذلك من صدمة الاغتراب في إسرائيل.
الحديث، الذي جاء خلال مقابلة تلفزيونية، لم يكن سياسيًا بقدر ما كان توثيقًا وجدانيًا لتجربة شخصية تعكس تعقيدات الهوية والانتماء، بعيدًا عن الشعارات أو الاصطفافات الأيديولوجية.
«ثلاثة أرباع روحي لمصر»
قالت السيدة، وهي تعيش اليوم في تل أبيب:
«مهما أطال الله في عمري هنا، لن أنسى يومًا أنني امرأة مصرية. لو قُسّمت روحي إلى أربعة أرباع، سأمنح ثلاثة لمصر وربعًا واحدًا فقط لإسرائيل».
وأضافت بأسى واضح:
«مصر ابتلاها الله بحكوماتها، ولولا هذه الحكومات الرديئة لكنت أعيش فيها حتى اليوم».
مقارنة التربية والحياة
وفي مقارنة مباشرة بين تجربتها في البلدين، قالت إن إسرائيل مهما أنفقت من أموال لن تستطيع أن تمنح أبناءها ما تلقته هي من قيم وتربية في مصر، موضحة:
«في مصر كان الحب بلا مقابل، أما هنا فعليك أن تدفع كثيرًا لكي تحِب وتُحَب».
ذكرى الرحيل القسري عام 1956
توقفت السيدة عند ما وصفته بـأتعس أيام حياتها، حين كانت فتاة شابة تسكن حارة اليهود في القاهرة.
روت أنها خرجت مع جارتها لمشاهدة فيلم «دليلة» بطولة عبد الحليم حافظ وشادية في سينما أولمبيا بمنطقة العتبة، قبل أن تعود إلى المنزل لتفاجأ بنداء عبر مكبرات الصوت يطالب الأسر اليهودية بمغادرة منازلها خلال أسبوعين فقط.
وأضافت:
«جُرّدنا من أموالنا وممتلكاتنا وبطاقات هويتنا، ثم نُقلنا في أتوبيسات إلى ميناء الإسكندرية، ومنها إلى اليونان».
وأكدت بحسم:
«من فعل ذلك لم يكونوا المصريين الذين عشنا بينهم، بل وجوه لم نرها من قبل».
«نحن مطرودون من وطننا»
تستحضر السيدة مشهدًا إنسانيًا مؤلمًا على ظهر الباخرة المتجهة من أثينا إلى فلسطين، حين رأت والدها يبكي:
«قلت له: أتبكي لأنك ذاهب إلى القدس؟ فرد عليّ: يا أوديت، نحن مطرودون من وطننا، لسنا ذاهبين للحج».
الصدمة الأولى في فلسطين
قالت إنها لم تشعر بالاضطهاد الحقيقي إلا عندما وصلت إلى فلسطين، حيث أُسكنت عائلتها في كوخ بسيط، بعد أن كانوا يعيشون في شقة واسعة بالقاهرة تعج بالحياة.
وأضافت:
«كان بيتنا في مصر يضم مسلمين ومسيحيين وأرمن ويونانيين وطليان، كنا نعتز بأننا مصريون نستضيف العالم كله».
نظرة دونية وتمييز ثقافي
تحدثت السيدة عن التمييز الذي واجهته في إسرائيل، موضحة أن يهود أوروبا (الأشكيناز) كانوا ينظرون ليهود مصر نظرة دونية:
«اعتبرونا جهلة، لا يعرفون أننا تعلمنا في مصر تعليمًا أفضل من كثير من يهود أوروبا».
واستشهدت بمدارس مصرية عريقة مثل فيكتوريا كولدج بالإسكندرية، التي درست فيها نخب أوروبية، مؤكدة:
«في مصر كنا مصريين فقط، لا نصف أنفسنا بعرب أو غير ذلك».
صدمة العودة في الثمانينيات

وعن زيارتها لمصر في ثمانينيات القرن الماضي، قالت إن الصدمة كانت قاسية:
«وجدت القاهرة متعبة، المجاري تطفح في حارة اليهود، والمنازل تحولت إلى أوكار مخدرات. لم أتعرف على ميدان العتبة».
وأضافت:
«هذا المشهد أحزنني أكثر من يوم طردي من مصر، ومع ذلك ما زلت متيمة بها».
الحب والأنوثة في الذاكرة
اختتمت شهادتها بابتسامة حزينة، قائلة إنها لم تعش الحب في إسرائيل كما عاشته في مصر:
«كنا نُلاحق بالزهور والرسائل، لا لأننا يهوديات، بل لأننا مصريات خفيفات الدم».
بل إنها استعادت تحية العلم التي كانت ترددها صباحًا في مدرستها الابتدائية بمنطقة باب اللوق، في مشهد اختلطت فيه الدموع بالحنين.
قراءة إنسانية أوسع
تعكس هذه الشهادة، بعيدًا عن التوظيف السياسي، مأساة إنسانية مركبة عاشها آلاف اليهود المصريين، حيث امتزجت القرارات السياسية القاسية بتمزق الهوية، وبقي الحنين للوطن الأول أقوى من كل الجغرافيا الجديدة.



