“السنجة في الرنجة”.. شعار ساخر يتحول إلى حملة غضب ضد غلاء الأسماك
تحت شعار ساخر يحمل اسم “السنجة في الرنجة”، عادت حملات المقاطعة الشعبية في مصر إلى الواجهة من جديد، بعدما اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بدعوات لمقاطعة شراء الأسماك والسلع التي يراها المواطنون مبالغًا في أسعارها، وفي مقدمتها الأسماك والرنجة والفسيخ.
الحملة، التي انتشرت عبر منشورات ومقاطع فيديو على فيسبوك وإنستجرام، تقوم على فكرة بسيطة لكنها مؤثرة: امتناع المستهلك عن الشراء لفترة محددة للضغط على السوق وإجبار التجار على خفض الأسعار. وظهرت منشورات تحمل اسم “السنجة في الرنجة” بوصفها دعوة شعبية لمقاطعة السمك بعد ارتفاع أسعاره، مع مطالبات بأن يستخدم المواطن قوته الشرائية كسلاح في مواجهة الغلاء.
من “خليها تعفن” إلى “السنجة في الرنجة”
لم تكن حملة “السنجة في الرنجة” هي الأولى من نوعها في مصر، فقد سبقتها حملة واسعة في 2024 حملت شعار “خليها تعفن”، وانطلقت لمقاطعة الأسماك بعد ارتفاع أسعارها بصورة كبيرة.
وقتها، امتدت الدعوات إلى عدة محافظات، وتحدثت تقارير صحفية عن وصول الحملة إلى 11 محافظة، مع تراجع في حركة البيع والشراء ببعض الأسواق، خصوصًا في المحافظات الساحلية مثل بورسعيد والإسكندرية. كما نقلت تقارير عن تجار قولهم إن الأسواق شهدت حالة جمود، وإن أسعار بعض الأصناف تراجعت بعد المقاطعة.
لماذا اختار المصريون المقاطعة؟
السبب الرئيسي وراء هذه الحملات هو شعور قطاع واسع من المواطنين بأن أسعار بعض السلع لم تعد مرتبطة فقط بتكلفة الإنتاج أو العرض والطلب، بل دخلت في دائرة المبالغة والاستغلال ورفع الأسعار دون مبرر واضح.
ومع تكرار ارتفاع أسعار الأسماك واللحوم والدواجن، بدأ المواطنون يتعاملون مع المقاطعة باعتبارها وسيلة ضغط سلمية، خاصة أن المستهلك هو الحلقة الأخيرة في السوق، لكنه في الوقت نفسه صاحب القرار الأهم: أن يشتري أو يمتنع.
قوة المستهلك في مواجهة الغلاء
فكرة المقاطعة تقوم على أن السلعة إذا وجدت طلبًا مرتفعًا استمر سعرها في الصعود، أما إذا تراجع الإقبال عليها فقد يضطر البائع أو التاجر إلى خفض السعر لتصريف المخزون، خصوصًا في السلع سريعة التلف مثل الأسماك.
ولهذا يراهن مؤيدو الحملة على أن السمك تحديدًا من أكثر السلع التي يمكن أن تتأثر سريعًا بالمقاطعة، لأنه لا يحتمل التخزين الطويل مثل بعض السلع الأخرى.

هل نجحت حملات مقاطعة السمك من قبل؟
تشير تقارير صحفية من 2024 إلى أن حملات مقاطعة الأسماك حققت أثرًا واضحًا في عدد من المحافظات، حيث تحدث منسقون ومشاركون عن انخفاضات كبيرة في الأسعار وصلت إلى أكثر من 50% و60% في بعض الحالات، بينما أشار تقرير آخر إلى انخفاضات لا تقل عن 30% في بعض الأسواق بعد اتساع حملة “خليها تعفن”.
وفي تقرير آخر، جرى الحديث عن تخفيضات تجاوزت 50% في القاهرة والجيزة خلال 48 ساعة من اتساع المقاطعة، ما عزز قناعة المواطنين بأن الضغط الجماعي قد يكون فعالًا عندما تكون الحملة واسعة ومنظمة.
الأسماك في صدارة الغضب الشعبي
الأسماك جاءت في مقدمة السلع المستهدفة بالمقاطعة لأنها ترتبط بمائدة المصريين، خاصة في المحافظات الساحلية، كما أن المواطنين يرون أن مصر تمتلك سواحل وبحيرات ومزارع سمكية، وبالتالي يتساءلون عن أسباب وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
وتتزايد حدة الغضب عندما ترتفع أسعار أصناف شعبية مثل البلطي والبوري والجمبري والرنجة والفسيخ، وهي أصناف كانت حاضرة في بيوت كثيرة، قبل أن تتحول في نظر البعض إلى سلع باهظة لا تناسب دخل الأسر.
“السنجة في الرنجة”.. السخرية كسلاح شعبي
اختيار شعار “السنجة في الرنجة” يعكس طريقة المصريين المعتادة في تحويل الغضب إلى سخرية لاذعة. فالشعار يبدو خفيفًا وساخرًا، لكنه يحمل رسالة واضحة: المواطن لم يعد قادرًا على تحمل الأسعار، ولن يقبل أن يتحول الغلاء إلى أمر واقع.
كما أن السخرية تساعد على انتشار الحملة بسرعة عبر مواقع التواصل، لأن الشعار السهل والمضحك يبقى في الذاكرة، ويتحول إلى “ترند” يجذب المشاركات والتعليقات.
هل تمتد المقاطعة إلى سلع أخرى؟
بعد نجاح حملات مقاطعة الأسماك سابقًا، ظهرت دعوات لمقاطعة سلع أخرى مثل اللحوم والدواجن والبيض، لكن تأثير هذه الحملات كان متفاوتًا من محافظة إلى أخرى ومن سلعة إلى أخرى. فقد ذكر تقرير اقتصادي أن القاهرة لم تستجب بنفس القوة لحملات المقاطعة، رغم حدوث بعض التراجعات في أسعار بعض السلع لأسباب مختلفة.
وهذا يعني أن نجاح المقاطعة لا يعتمد فقط على إطلاق الشعار، بل يحتاج إلى مشاركة واسعة، وبدائل متاحة للمواطن، ووضوح في المدة والهدف، إضافة إلى متابعة حقيقية للأسعار في الأسواق.
بين المقاطعة والرقابة.. من المسؤول عن ضبط السوق؟
رغم أن المقاطعة أداة شعبية مشروعة، فإن ضبط الأسعار لا يجب أن يترك فقط للمستهلك. فهناك دور أساسي للرقابة على الأسواق، ومتابعة سلاسل التوريد، ومنع الاحتكار، ومراجعة حلقات التداول بين المنتج والتاجر والمستهلك.
فإذا كانت الزيادة مبررة بسبب ارتفاع تكاليف النقل أو الأعلاف أو الصيد أو الطقس، فيجب توضيح ذلك للرأي العام. أما إذا كانت ناتجة عن احتكار أو مبالغة في هوامش الربح، فهنا يجب أن تتحرك الجهات المختصة لحماية المستهلك.
لماذا يشعر المواطن بعدم الثقة؟
المواطن لا يرفض أن ترتفع الأسعار إذا كانت هناك أسباب حقيقية ومفهومة، لكنه يرفض أن يرى السعر يتضاعف دون تفسير، ثم يجد نفس السلعة تهبط فجأة بمجرد انتشار حملة مقاطعة. هذا التذبذب يخلق شعورًا بأن جزءًا من الأزمة مرتبط بالمغالاة وليس فقط بالتكلفة.
السوشيال ميديا تقود السوق
أثبتت حملات المقاطعة أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مساحة للشكوى، بل أصبحت أداة ضغط حقيقية قد تؤثر على حركة السوق، خاصة عندما تتوحد الرسالة وتنتشر بين المحافظات.
لكن في المقابل، تحتاج هذه الحملات إلى وعي حتى لا تتحول إلى فوضى أو اتهامات عشوائية. فالمطلوب ليس الهجوم على كل التجار، بل الضغط على الأسعار غير المنطقية، ودعم التاجر الملتزم، وكشف المبالغات دون ظلم.
كيف تنجح حملة “السنجة في الرنجة”؟
لكي تنجح الحملة، يجب أن تكون واضحة في هدفها: خفض الأسعار المبالغ فيها، لا الإضرار بالتاجر الصغير أو العامل البسيط. كما يجب أن تكون محددة بمدة زمنية، وأن تعتمد على نشر أسعار حقيقية من الأسواق، لا أرقام مجهولة أو مبالغات.
ويجب أيضًا تشجيع المواطنين على شراء البدائل الأقل سعرًا، وعدم الانسياق خلف الشائعات أو الصور القديمة أو القوائم غير الموثقة للأسعار.
تعبير عن غضب شعبي من أسعار يراها المواطنون غير منطقية
حملة “السنجة في الرنجة” ليست مجرد نكتة على مواقع التواصل، بل تعبير عن غضب شعبي من أسعار يراها المواطنون غير منطقية، ورسالة واضحة بأن المستهلك يستطيع أن يستخدم المقاطعة كوسيلة ضغط سلمية عندما يشعر بأن السوق لم يعد يراعي قدرته الشرائية.
ومثلما نجحت حملات سابقة في تحريك أسعار السمك داخل بعض المحافظات، فإن الحملة الجديدة قد تحقق أثرًا إذا تحولت من ترند عابر إلى حركة منظمة وواعية.
السخرية قد تتحول إلى أداة مقاومة اجتماعية ضد الغلاء
بين “خليها تعفن” و“السنجة في الرنجة”، يثبت المصريون أن السخرية قد تتحول إلى أداة مقاومة اجتماعية ضد الغلاء، وأن المستهلك ليس الطرف الأضعف دائمًا.
لكن المعركة الحقيقية ليست في الامتناع عن شراء السمك فقط، بل في بناء سوق أكثر عدالة وشفافية، يعرف فيه المواطن لماذا ارتفع السعر، ومن المستفيد، ومتى يعود السعر إلى مستواه الطبيعي.
فالرسالة التي تحملها الحملة واضحة: إذا بالغت الأسعار، فالمقاطعة قادرة على الرد.


