الأربعاء، ٧ يناير ٢٠٢٦ في ٠١:٥١ م

القاهرة تحذر من مخاطر التصعيد في حوض النيل وتلوّح بإجراءات تحمي أمنها المائي

شهدت القاهرة تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا يعكس قلقًا متناميًا من السياسات الإثيوبية الأحادية التي تتجاهل قواعد القانون الدولي، وتعرّض دول المصب، وعلى رأسها مصر والسودان، لمخاطر وجودية مباشرة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار التعنت الإثيوبي إلى تصعيد سياسي وأمني لا يمكن التنبؤ بعواقبه، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في الإقليم الإفريقي.

                                                                                   نهر النيل - ويكيبيديا


اجتماع رفيع المستوى لتنسيق المواقف

في هذا السياق، عقد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، اجتماعًا موسعًا مع الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة، بهدف تنسيق الجهود المصرية على المستويين الإقليمي والدولي فيما يخص قضايا المياه، وعلى رأسها تطورات ملف سد النهضة وحوض النيل الشرقي.

وبحث الاجتماع سبل تعزيز التعاون التاريخي مع دول حوض النيل، بالتوازي مع مواجهة التحديات الناتجة عن الإجراءات الإثيوبية التي تُتخذ خارج إطار التوافق والاتفاق القانوني.


رفض قاطع للإجراءات الأحادية الإثيوبية

حمل الاجتماع رسائل سياسية وقانونية حازمة، حيث شدد الوزيران على الرفض القاطع لكافة الإجراءات الأحادية التي تنتهجها إثيوبيا، والتي تمثل – بحسب القاهرة – خرقًا صريحًا لقواعد القانون الدولي، ومخالفة للاتفاقيات والأعراف التي تنظّم استخدام الأنهار الدولية المشتركة.

وأكد البيان المشترك الصادر عن الوزارتين أن مصر تتابع التطورات عن كثب، ولن تتوانى عن اتخاذ جميع التدابير القانونية والدبلوماسية التي يكفلها القانون الدولي، دفاعًا عن:

  • أمنها المائي

  • حقوقها التاريخية في مياه النيل

  • المقدرات الوجودية للشعب المصري


مخاطر مباشرة على دول المصب

ترى القاهرة أن السياسات الإثيوبية الحالية لا تهدد مصر وحدها، بل تعرّض دول المصب بأكملها لمخاطر جسيمة، سواء من حيث:

  • نقص إمدادات المياه

  • التأثير على الأمن الغذائي

  • زيادة احتمالات عدم الاستقرار الإقليمي

وتحذر دوائر دبلوماسية من أن استمرار فرض الأمر الواقع في إدارة السدود الكبرى دون تنسيق، قد يدفع المنطقة إلى مراحل أكثر حدة من التصعيد، في ظل غياب آليات ملزمة لإدارة النزاعات المائية.


مبادرة حوض النيل.. محاولة لإنقاذ التوافق

في إطار التحركات السياسية، استعرض الوزيران آخر تطورات العملية التشاورية ضمن مبادرة حوض النيل (NBI)، والتي تهدف إلى استعادة التوافق والشمولية بين الدول الأعضاء، بعد سنوات من الخلافات التي عمّقتها السياسات الأحادية.

وجدد الجانب المصري تمسكه بضرورة:

  • الالتزام بالأطر القانونية الحاكمة لنهر النيل

  • احترام مبدأ عدم الإضرار

  • تحقيق المنفعة المتبادلة لجميع دول الحوض

مع التأكيد الصريح على أن أي تعاون تنموي لا يمكن أن يتم على حساب حصة مصر المائية أو أمنها القومي.


التنمية في مواجهة الاتهامات

بالتوازي مع التحذيرات، حرصت القاهرة على إبراز نهجها القائم على دعم التنمية الإفريقية، في مواجهة ما تصفه بمحاولات إثيوبية لتصوير الخلاف باعتباره صراعًا سياسيًا مجردًا.

وكشف الاجتماع عن تفعيل آلية تمويلية ضخمة بقيمة 100 مليون دولار، مخصصة لإعداد الدراسات وتنفيذ المشروعات التنموية في دول حوض النيل الجنوبي، وذلك عبر:

  • الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية

  • المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل


مشروعات ميدانية تؤكد حسن النية

وتضمن العرض الفني استعراض نتائج المشروعات المصرية المنفذة بالفعل في دول الحوض، والتي شملت:

  • حفر 180 بئرًا جوفيًا في كينيا

  • 75 بئرًا في أوغندا

  • 60 بئرًا في تنزانيا

  • إنشاء عشرات محطات الرفع العاملة بالطاقة الشمسية في جنوب السودان والكونغو الديمقراطية

إضافة إلى:

  • إنشاء مراكز للتنبؤ بالأمطار

  • معامل لتحليل جودة المياه

  • مشروعات لمكافحة الحشائش المائية والحماية من الفيضانات

  • تدريب أكثر من 1650 متخصصًا من 52 دولة إفريقية

وهي جهود تعكس – بحسب القاهرة – التزامًا عمليًا بالإدارة المتكاملة للموارد المائية، وليس مجرد شعارات سياسية.


بين القانون الدولي والتعنت الإثيوبي

تؤكد مصر أن جوهر الأزمة لا يكمن في التنمية أو حق إثيوبيا في الاستفادة من مواردها، بل في تجاهلها المتكرر لمبادئ القانون الدولي، وعلى رأسها:

  • الإخطار المسبق

  • التوافق

  • عدم إحداث ضرر جسيم لدول المصب

ومع استمرار هذا النهج، ترى القاهرة أن الملف لم يعد فنيًا فقط، بل بات قضية أمن قومي إقليمي، تستوجب تحركًا دوليًا أكثر فاعلية.


انفتاح مصري علي افريقيا

تعكس التحركات المصرية الأخيرة رسالة مزدوجة:

  • انفتاح كامل على التعاون والتنمية والشراكة الإفريقية

  • وحزم واضح في مواجهة أي مساس بالأمن المائي أو الحقوق التاريخية

وفي ظل التغوّل الإثيوبي والتجاهل المتعمد للقانون الدولي، يبدو أن ملف مياه النيل يدخل مرحلة أكثر حساسية، حيث لم تعد القاهرة مستعدة للاكتفاء بالتحذير، بل تلوّح صراحةً باستخدام كل الأدوات المشروعة لحماية شريان الحياة الأول للمصريين.